ستراتيجيَّة ألمانيا متعددة الأطراف: أنموذج الاتحاد الأوروبي والدروس للعراق

الخميس – 2033/12/07

لقمان عبد الرحيم الفيلي

تتمتع ألمانيا بتاريخ طويل ومؤثر داخل الاتحاد، وتقدم ستراتيجياتها وسياساتها في التعامل مع الاتحاد الأوروبي دروساً قيّمة لدول مثل العراق، الذي تطمح إلى التكامل وتعزيز الاستقرار الإقليمي، وتحقيق الرخاء الاقتصادي. وبينما يسعى العراق إلى التغلب على التحديات التي يواجهها وتعزيز دوره في الشرق الأوسط، فإنه يستطيع أن يستمد الإلهام من النهج الذي تتبناه ألمانيا في التعامل مع الاتحاد الأوروبي في مجالات رئيسة. يتعمق هذا المقال في ستراتيجية ألمانيا متعددة الأطراف داخل الاتحاد الأوروبي، ويظهر كيف يمكن للعراق أن يستفيد من هذه الدروس، في سعيه للتغلب على تحدياته الإقليمية المعقدة وجهود التكامل الاقتصادي مع دول الجوار والمنطقة.

التطور التاريخي لسياسات ألمانيا مع الاتحاد الأوروبي:

يمكن تقسيم التطور التاريخي للسياسات الألمانية اتجاه الاتحاد الأوروبي بمراحل رئيسة عدة، كانت بدايتها مع الحرب العالمية الثانية، ما يعكس الأولويات والتحديات المتطورة، التي تواجهها ألمانيا والاتحاد الأوروبي:

تحديات فترة المصالحة بعد الحرب (1945 – 1957) الانضمام إلى الجماعة الأوروبية للفحم والصلب (ECSC 1951) معاهدة روما في العام 1957 التي تعتبر نواة الاتحاد الاوروبي إنشاء عملة اليورو والانضمام إلى معاهدة ماستريخت (التسعينيات)،احتضان التوسع وبالذات سياسية التوسع الشرقي (العقد الأول من القرن الحادي والعشرين)، الدعوة إلى الانضباط المالي وتدابير التقشف لمعالجة الأزمة المالية وإصلاحات منطقة اليورو (2008 ولاحقاً)أزمة الهجرة (2015 – 2016) خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (Brexit) في عام 2020 خلقت Brexit تحدياً جديداً لـلاتحاد الأوروبي، إذ تلعب ألمانيا لمكانتها وتأثيرها، دوراً رئيسياً في المفاوضات والمناقشات بشأن العلاقة المستقبلية بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة.

ولا يزال العقد الثاني من القرن الجاري يجلب تحديات مثل جائحة كوفيد- 19، أو الحرب الروسية الأوكرانية، وجهود التعافي الاقتصادي، وتغير المناخ، والتوترات الجيوسياسية، وهو ما تسعى ألمانيا والاتحاد الأوروبي إلى معالجته بشكل جماعي.

طوال المراحل المذكورة، كان التزام ألمانيا بالتكامل الأوروبي ودورها المدافع عن الاستقرار الاقتصادي، والتعاون السياسي، وسيادة القانون داخل الاتحاد الأوروبي، من الموضوعات الثابتة، ثم تطور النهج الذي تتبناه ألمانيا في التعامل مع سياسات الاتحاد الأوروبي استجابة للظروف والتحديات المتغيرة، ولكن التزامها بالمشروع الأوروبي يظل ثابتاً لا يتزعزع.

العوامل المساهمة:

كان لموقع ألمانيا الجيوسياسي وتجاربها التاريخية تأثيرٌ عميقٌ على سياساتها التنموية في الاتحاد الأوروبي، ويعد فهم هذين العاملين أمراً ضرورياً، لفهم الأسباب التي جعلت ألمانيا لاعباً رئيساً في تشكيل الاتحاد الأوروبي، ادناه بعض العوامل الرئيسة التي تأثرت بموقع ألمانيا الجيوسياسي وتاريخها، مما أثر في سياساتها في الاتحاد الأوروبي وكما يلي:

الحرب العالمية الثانية وشعور ألمانيا بالذنب والمسؤولية التاريخية، الرغبة في الاستقرار الأوروبي، القوة الاقتصادية، وستراتيجية توجيه الصادرات، الشراكة الفرنسية – الألمانية، تحديات الهجرة واللجوء، دعم توسع الدول الشرقية بعد إعادة توحيد عام 1990، الالتزام بسيادة القانون والديمقراطية داخل الاتحاد الأوروبي، وأخيراً قانون التوازن، حيث كان موقع ألمانيا الجيوسياسي بين نصفي أوروبا الغربي والشرقي، يتطلب منها إجراء عملية توازن دقيقة، ويتعين عليها أن تحافظ على علاقات قوية مع كل من الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي، مع الاعتراف بأهمية الأمن والتعاون في كلا السياقين.

يُعد حلف شمال الأطلسي ركيزة أساسية للسياسة الأمنية والدفاعية الألمانية، اذ يُعتبر الحلف بأعضائه الثمانية والعشرين، ضمانة مهمة للأمن والاستقرار في المنطقة الأوروبية الأطلسية، إذ تسهم ألمانيا في ميزانية الحلف بنسبة 14.5% اي ما يعادل 1.4% من ناتجها القومي، ولديها خطط برفع تلك النسبة إلى 2% بحلول العام 2024، كما تشارك ألمانيا في بعثات الناتـو في عدة مناطق حول العالم، وتسهم مثلاً بفعالية بعملية (ايرني) لمراقبة السواحل الليبية لمنع توريد الاسلحة إلى اطراف النزاع هناك.

وكجزء من سياق البحث عن دور فعال دولياً، خصوصاً داخل أقبية الأمم المتحدة، هناك تركيز ألماني على ملء مقاعد الدول غير دائمة العضوية في مجلس الامن، اذ تعتبر ألمانيا منظمة الأمم المتحدة اهم مؤسسة في النظام الدولي وتحتل ألمانيا مركزاً متميزاً فيها، كما تُعد ثاني مساهم انساني في برامجها، وتطالب باستمرار ألمانيا منحها مقعداً دائماً في مجلس الامن الدولي، حيث ترى بأن لها أحقية بذلك، كونها رابع أكبر مساهم في موازنة المنظمة بنسبة 7% من ميزانية الأمم المتحدة، وثاني أكبر مانح دولي في إطار الأمم المتحدة، وتشارك في عدد من بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام حول العالم، كما تدعو ألمانيا إلى إجراء اصلاحات في مجلس الامن الدولي، كونه لا يمثل واقع اليوم أو التوزيع الجغرافي العادل، حيث شكلت ألمانيا مجموعة (G4) مع اليابان والبرازيل والهند في عام 2005، وانطلقت مفاوضات الاصلاح بشكل رسمي في العام 2016.

التعددية الألمانيَّة داخل الاتحاد الأوروبي:

لقد أثرت تجارب ألمانيا التاريخية تأثيراً عميقاً في التزامها بالتعددية داخل الاتحاد الأوروبي.

وقد أكد الدمار الذي خلفته الحربان العالميتان والتقسيم اللاحق للبلاد خلال الحرب الباردة على أهمية التعاون والتكامل في أوروبا، وتبنت ألمانيا التعددية كوسيلة لمنع الصراعات وتعزيز المصالحة.

ويلعب اقتصاد ألمانيا القوي دوراً محورياً في نهجها متعدد الأطراف، وباعتبارها أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، فإنها تتمتع بنفوذ اقتصادي كبير، وتدفع السياسات التي تؤكد الاستقرار الاقتصادي، والنمو، والتكامل، وهذا الالتزام بأساس اقتصادي قوي لا يفيد ألمانيا فحسب، بل أيضاً الاتحاد الأوروبي بالكامل.

إن الزعامة السياسية الألمانية داخل الاتحاد الأوروبي، بالتعاون غالباً مع فرنسا في «المحرك الفرنسي- الألماني»، تعمل على صياغة الأجندة السياسية للاتحاد، والشراكة القوية تكون من خلال التعاون بين هذين البلدين كعنصر أساسي في تكامل الاتحاد الأوروبي، حيث سلط الضوء على قوة التعاون والوحدة بين الدول الأعضاء.

إن التزام ألمانيا بتعميق التكامل الأوروبي، يشكل مبدأ توجيهياً، وهي تدعو إلى الاتحاد السياسي والاقتصادي والنقدي، مما يدل على الإيمان بفوائد السيادة المشتركة وصنع القرار الجماعي، ويشكل هذا الالتزام حجر الزاوية في هوية الاتحاد الأوروبي وتقدمه.

المشكلات:

ورغم أن ألمانيا كانت لاعباً رئيساً في تشكيل سياسات وستراتيجيات الاتحاد الأوروبي، فإنها لم تخل من الأخطاء الستراتيجيَّة أو المجالات التي واجه فيها نهجها انتقادات عدة، أدناه بعض الأخطاء الستراتيجيَّة الرئيسة أو القضايا المثيرة للجدل المتعلقة بسياسات وستراتيجيات ألمانيا في الاتحاد الأوروبي:

تدابير التقشف خلال أزمة منطقة اليورو، واتهام ألمانيا بالسعي للهيمنة على سياسات الاتحاد الأوربي وخصوصاً اتجاه دول جنوب أوروبا، وانعدام التضامن خلال أزمة الهجرة عام 2015، والفشل في تعزيز توسيع الاتحاد الأوروبي من غرب البلقان، والتحديات في موازنة المصالح الاقتصادية، وتقويض سياسة الطاقة في الاتحاد الأوروبي، من خلال دعم نورد ستريم 2، وبالتالي تعزيز وخلق الاعتماد على الغاز الروسي، وأخيرا النهج الحذر الذي تتبعه ألمانيا في إصلاح منطقة اليورو ومقاومتها لإجراءات، مثل سندات اليورو أو السياسة المالية الأوروبية المشتركة.

وعليه من الممكن القول إن الدور الذي تلعبه ألمانيا في الاتحاد الأوروبي معقداً، وكثيراً ما تتطلب سياساتها إيجاد توازن دقيق بين مصالحها الخاصة والمشروع الأوروبي الأوسع.

وعلى هذا النحو، فإن تصورات الأخطاء الستراتيجيَّة يمكن أن تختلف بين الدول الأعضاء وأصحاب المصلحة.

دروس للعراق:

هناك نقاط رئيسة عديدة من الفهم الألماني تجاه الاتحاد الأوروبي يجب على العراقيين اخذها بعين الاعتبار، حيث إن الفهم المذكور يمكن أن يساعد العراق، وهو يستكشف مساره بعد عزلة طويلة نحو التعاون والتنمية الإقليميين، وهي:

1 – الالتزام بالسلام والاستقرار الإقليميين: إن التزام ألمانيا التاريخي بالسلام والاستقرار في أوروبا، والذي تحقق من خلال التعاون الإقليمي، يشكل درساً قيماً، وإن العراق، الدولة التي عانت من سنوات من الصراعات وعدم الاستقرار، يمكنها أن تستلهم التزام ألمانيا بالسلام والاستقرار، ومن خلال إعطاء الأولوية للسلام والتعاون الإقليميين، يستطيع العراق أن يعمل على منع الصراعات في المستقبل وتعزيز المصالحة بين المجموعات العرقية والدينية المختلفة.

2 – الإصلاحات الاقتصادية والنمو والرخاء: النجاح الاقتصادي الذي حققته ألمانيا يقدم دروساً قيمة للعراق، وإن تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية وجذب الاستثمار في البنية التحتية، وفي رأس المال البشري وخلق بيئة أعمال مواتية يمكن أن يحفز النمو الاقتصادي ويحسن مستويات المعيشة للعراقيين.

3 – المرونة في الحكم: إن النهج المرن الذي تتبعه ألمانيا في التعامل مع التكامل الأوروبي، واستيعاب الاحتياجات المتنوعة، يمكن أن يتردد صداه لدى سكان العراق المتنوعين عرقياً وثقافياً، ومن المهم بالنسبة للعراق أن يستكشف نماذج أنظمة الحكم الاتحادية وأنظمة الإدارة اللامركزية لمعالجة الفوارق الإقليمية في هياكل الحكم.

4 – حكم القانون والديمقراطية: إن تأكيد ألمانيا على حكم القانون والقيم الديمقراطية داخل الاتحاد الأوروبي يبرهن على أهمية هذه المبادئ، لتحقيق الاستقرار، وينبغي للعراق أن يعطي الأولوية لإنشاء وتعزيز المؤسسات الديمقراطية وسيادة القانون.

5 – حل الصراعات والمصالحة: يمكن للعراق أن يستفيد من تجربة ألمانيا في جهود المصالحة بعد الحرب العالمية الثانية، وأن تعزيز الحوار ومعالجة الأسباب الجذرية للصراعات وتعزيز الوحدة الوطنية هي خطوات أساسية نحو السلام الدائم.

6 – المشاركة العالمية والدبلوماسية: يمكن للعراق أن يحذو حذو ألمانيا من خلال الانخراط بنشاط في الدبلوماسية وتعزيز تراثه الثقافي على الساحة العالمية، فالقوة الناعمة والمبادرات الدبلوماسية قادرة على تعزيز نفوذ العراق والمساهمة في تعزيز مكانته الدولية.

7 – الرؤية والصبر على المدى الطويل: إن رؤية ألمانيا طويلة المدى للتكامل الأوروبي تثبت أهمية الصبر والمثابرة، وتقدم لدولة مثل العراق دروساً بوجوب وضع أهداف ستراتيجية طويلة الأمد، وأن يظل ملتزماً بجهود التعاون الإقليمي، مدركاً أن بناء الدولة يستغرق وقتاً وتركيزا.

8 – تحقيق التوازن بين المصالح الوطنية والتعاون الإقليمي: يمكن للعراق أن يتعلم من قدرة ألمانيا على تحقيق التوازن بين المصالح الوطنية والتعاون الإقليمي الأوسع، إذ إن إعطاء الأولوية لمصالحها الخاصة مع الاعتراف بفوائد التعاون الإقليمي أمر بالغ الأهمية لتحقيق النجاح.

9 – القيادة والدبلوماسية: بينما يسعى العراق إلى القيام بدور أكثر تأثيراً في الشؤون الإقليمية، فإنه يستطيع الاستفادة من القيادة الألمانية داخل الاتحاد الأوروبي، لتعزيز دوره الإقليمي وإدارة مصالحه الخارجية، وإن الدبلوماسية الفعالة والمشاركة النشطة مع المنظمات الإقليمية من شأنها أن تعزز نفوذ العراق.

10 – المشاركة الإقليمية: يجب على العراق أن يتعامل بشكل فعّال مع المنظمات الإقليمية مثل جامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي لتعزيز التعاون ومعالجة التحديات المشتركة.

ومن الممكن أن يساعد دمج هذه الدروس في سياسات العراق وستراتيجياته في إيجاد حلول تُكَيف للتغلب على تحدياته الفريدة والمساهمة في الاستقرار الإقليمي، والنمو الاقتصادي، والتعاون في الشرق الأوسط، وممكن ايضاً ان تقدم بعض الرؤى القيمة للعراق في سعيه لبناء مستقبل أكثر ازدهاراً وسلاماً في المنطقة.

خاتمة:

دعونا نلقي نظرة على بعض الأمثال الألمانية التي يمكن تطبيقها على سياق الاتحاد الأوروبي:

«الأيادي الكثيرة تجعل العمل خفيفًا»، «الفرد للكل، والكلُ للفرد»، وأخيرًا «الفرح المشترك هو فرح مضاعف، والحزن المشترك هو نصف حزن»، مما يعكس فكرة أن تبادل الخبرات، سواء كانت إيجابية أو سلبية، يعزز التواصل الإنساني ويخفف العبء، وفي سياق الاتحاد الأوروبي، فإنه يؤكد أهمية الدعم المتبادل خلال الأوقات الجيدة والفترات الصعبة، ورغم أن هذه الأمثال لا تقتصر على الاتحاد الأوروبي، فإنها تصور مبادئ أو ثقافة المانية مهمة يمكن تطبيقها على مهمة الاتحاد الأوروبي المتمثلة في تعزيز الوحدة والتعاون والدعم المتبادل بين الدول الأعضاء.

إن ستراتيجيَّة التعددية التي تتبناها ألمانيا داخل الاتحاد الأوروبي توفر دروساً لا تقدر بثمن للعراق وهو يبحر في طريقه نحو الاستقرار الإقليمي، والنمو الاقتصادي، والتكامل، وإن التزام ألمانيا بالسلام والاستقرار والازدهار الاقتصادي والقيم الديمقراطية، إلى جانب استعدادها للتعاون والمشاركة دبلوماسياً، يشكِل نموذجاً يتماشى مع تطلعات العراق إلى مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً في الشرق الأوسط.

ومن خلال تطبيق هذه الدروس، يستطيع العراق أن يخطو خطواتٍ كبيرة نحو مستقبل أكثر إشراقاً واستقراراً في المنطقة، مستفيداً من أنموذج الاتحاد الأوروبي الناجح

للتعددية.

https://alsabaah.iq/88545-.html

* سفير جمهورية العراق في برلين

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here