تحقيقات : تحقيق​ مدارس تعليم اللغة… باب للاحتيال على الباحثين عن عمل في ألمانيا



22 يناير 2024
يرصد تحقيق “العربي الجديد” أساليب خداع المغاربة الراغبين في العمل بألمانيا عبر محتالين يستهدفون ضحاياهم من خلال مدارس تعليم اللغة ووسائل التواصل الاجتماعي، في ظاهرة منتشرة داخل البلاد وخارجها كما تؤكد الشرطة.

-تحذر كريستين هونار، المتحدثة باسم المكتب المركزي لمنع الجريمة التابع للشرطة الفيدرالية الألمانية في مدينة شتوتغارت بولاية بادن فورتمبرغ جنوب البلاد، الباحثين عن عمل في ألمانيا من الوقوع في شراك المحتالين الذين يزعمون من خلال إعلانات منتشرة على الإنترنت، استطاعتهم توفير عقود عمل في البلاد، وهؤلاء ينشطون داخل حدود ألمانيا أو خارجها.

ويمثل النصب على الراغبين بالعمل في ألمانيا، “ظاهرة منتشرة” بحسب ما تؤكده هونار في ردها المكتوب على أسئلة “العربي الجديد”، والذي يوثق ويتتبع أساليب خداع المحتالين للضحايا، عبر إيهامهم بقدرتهم على توفير عقود تدريب أو عمل لهم مقابل مبالغ مالية تسلبهم وعائلاتهم كل مدخراتهم.

أساليب نصب متنوعة
يخطط العشريني المغربي محمد بالي (اسم مستعار للحفاظ على أمانه) للوصول إلى ألمانيا والعمل فيها منذ حصوله على شهادة الثانوية في عام 2017، لذلك سعى إلى تعلم مهنة صيانة المركبات والتي قرأ كثيرا عن حاجة سوق العمل هناك إلى أياد عاملة في مختلف قطاعاتها، وبالتوازي مع ذلك درس اللغة، وخلال بحثه عن وسيلة لتحقيق حلمه، تعرف عام 2019 على وسيط أقنعه بقدرته على تأمين عقد عمل له، زاعما أنه يملك هو وزوجته وآخرون شركة مرخصة في الرباط لتأمين العمالة لشركات ألمانية، ومنذ ذلك ا

وتجاوز مجموع ما أنفقه بالي 6000 يورو، منها 4500 دفعها للوسيط مقابل توفير عقد تدريب مهني يمكنّه من دخول ألمانيا للبحث عن فرصة عمل، لكنه اكتشف أنه مزور عندما تقدم بأوراقه إلى القنصلية الألمانية بالرباط في 2021 من أجل إنهاء إجراءات التأشيرة التي رُفضت، وظلّ بالي يطارد الوسيط لأشهر، وما كان منه إلا أن أرسل له عام 2022 العقد الوهمي ذاته، بالإضافة إلى عقدين آخرين يحملان معلوماته الشخصية لكن في تخصصين بعيدين تماما عن مجاله.
“هنا أدركت أنه يحتال عليّ وعلى غيري” يقول بالي، مشيرا إلى أنه اكتشف في تلك الفترة وجود ضحايا آخرين لنفس الوسيط وتواصل مع أربعة منهم على منصات التواصل الاجتماعي.

ويُجمع ضحايا الاحتيال الثمانية الذين قابلتهم معدة التحقيق على أن الوسيط المحتال يعمل بشكل فردي حينا، وأحيانا بالتنسيق مع مدارس لغة ألمانية منتشرة في البلدان، التي اعتاد أرباب العمل الألمان جلب اليد العاملة منها. وفي بعض الحالات أنشأ المحتال شركة تدعي التخصص في مجالي التشغيل أو الوساطة ليقنع ضحاياه أن عمله الأساسي هو تصدير اليد العاملة إلى ألمانيا.

يصل المحتالون لضحاياهم عبر مدارس اللغة أو وسائل التواصل الاجتماعي

ويبيّن الضحايا أن تواصلهم مع الوسيط كان يتم إما عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، أو بتوصية من أصدقاء، أو بالتعرف عليهم في مدارس تعلم اللغة الألمانية، إذ يسعى الوسطاء إلى تنظيم لقاءات وندوات للتعريف بخدماتهم في مختلف المدن، كما ينشطون عبر منصات التواصل الاجتماعي للترويج لنجاحهم المزعوم في تأمين عقود عمل وتدريب لشبان، من خلال صفحات يطلقونها لهذا الغرض، وتقوم بشكل منتظم بنشر صور جوازات سفر تحمل تأشيرة شنغن لأشخاص تقول إنّها وفّرت لهم عقود تدريب مهني أو فرص عمل في ألمانيا، أو مقاطع فيديو يظهر فيها المحتال مع أحد الشبان، زاعما أنه حصل على عقد بعد تعاونه مع المؤسسة، كما تنشر أيضا إعلانات عن توفر عشرات العقود في مختلف المجالات زاعمة أنها فرص مقدمة من شركات وساطة للعمل في ألمانيا ستعود عليهم بأموال وفيرة، وأن إجراءات السفر سهلة وبأقل التكاليف والشروط الممكنة، وما على الراغب إلا الاتصال الهاتفي بالشركة أو التوجه لمقرها.

ما سبق تؤكده الشرطة الجنائية الألمانية التي رصدت الظاهرة المنتشرة وفق تقرير نشرته على موقعها الرسمي في 17 أغسطس/آب 2022، تحت عنوان (احتيال: احذر من إعلانات الوظائف الكاذبة)، وتكشف الشرطة عمّا أطلقت عليه “موجة نصب واحتيال في ألمانيا”، تتم عبر إعلانات كاذبة تُنشر حول وظائف سهلة بأجور مغرية للغاية، وتؤكد الشرطة أن الكثيرين استجابوا لها ممن يصدقون هذه الإعلانات وينخرطون في الإجابة على الأسئلة المطروحة على مواقع الإنترنت، ويدلون بمعلومات شخصية عنهم يستعملها محتالون لسرقة أموالهم، ما دفع السلطات لتنظيم حملة للتحذير منها.

تحقيق السوريين في المانيا
الأرشيف
السوريون في ألمانيا.. هكذا تعيق اللغة الاندماج
دوامة لا تنتهي
يعتبر بالي نفسه على “اللائحة السوداء” على حد تعبيره، منذ اكتشاف زيف العقد الذي قدمه ضمن ملفه في القنصلية الألمانية، وهذا يعني، على حدّ تعبيره أنه لن يتمكن من تحقيق حلمه الذي أنفق الكثير من المال والجهد من أجل تحقيقه بسبب تلاعب الوسيط المحتال ومنحه عقدا مزورا افتضح أمره أمام القنصلية.

يزوّد الوسطاءُ الباحثين عن عمل بعقود مزورة بعضها يكتشف قبل السفر

وعلى عكس بالي لجأت العشرينية مريم، والتي طلبت ذكر اسمها الأول فقط لحساسية وضعها القانوني، إلى الوسيط ذاته والذي أقنعها بدراسة اللغة الألمانية في تركيا عام 2020، زاعما أن هذه الخطوة ستسهل الحصول على موعد في القنصلية الألمانية، وهو ما وافقت عليه، وبالفعل بعد عام حصلت على عقد عمل وانتقلت إلى ألمانيا عام 2021، وبينما تنتظر اتصال المشغل الذي ستعمل في مؤسسته بموجب العقد، جاءها بدلا من ذلك اتصال من مصلحة الأجانب لإبلاغها أن عقدها مزور، عقب أسبوع فقط من وصولها، وأوضحوا لها أنهم تواصلوا مع المشغل الذي أكد أنه لم يمنحها ذلك العقد، ولهذا السبب استدعتها شرطة الجنايات للتحقيق معها، وهو ما فاقم خوفها من إعادتها إلى بلدها حتى أنها تخاف الذهاب في عطلة خشية منعها من العودة، عقب كل ما تكبدته من تكاليف مادية ومجهود، و”بالإضافة لتكاليف العيش والدراسة في تركيا لمدة عام، كانت والدتها قد منحت السمسار ألف يورو، إلى جانب تكاليف المحامي لمتابعة القضية الطارئة والتي وصلت إلى 500 يورو حتى الآن”، وتروي مريم أنها “تواصلت مع الوسيط عن طريق أصدقاء لها، ولم يكن اسمه في ذلك الوقت معروفا للسلطات الألمانية ومقترنا بتزوير عقود، ما سهل عمله وبالتالي لجوءها إليه وشراء عقد العمل منه، وعقب اكتشاف السلطات عدة حالات تورط فيها صار معروفا لدى الجهات المختصة وحتى لدى الباحثين عن عمل أنه اعتاد تزييف العقود”. ولم يجد الأشخاص الذين دخلوا البلاد بواسطة عقد من خلاله إلا المبادرة للاتصال به /

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
,
Read our Privacy Policy by clicking here