الظاهرة الطائفية في العراق، ومنزلة الوطن عندنا يجب ان تكون اغلى واعز من عقائدنا المذهبية !

الظاهرة الطائفية في العراق، ومنزلة الوطن عندنا يجب ان تكون اغلى واعز من عقائدنا المذهبية !

ح 1 د. رضا العطار

( الوطن هو نقيض الطائفية، فعندما يسود النظام الطائفي يغيب الوطن وعندما يفرض هذا الوطن نفسه، تتوارى الطائفية ) هذا ما قاله استاذ التاريخ المصري يونان لبيب،

وهو مصيب تماما في ما ذهب اليه. الطائفية ليست ذات ماهية ثابتة ومتكيفة بذاتها، فالوطن جوهر ميتافيزيقي يقع خارج حدود التاريخ الحي انهما وسواهما من المتماثلات، ظواهر ذات حيثيات ملموسة مرتكزة الى اسس مادية تؤلف بجملتها وبحركتها، لحمة التاريخ وسداه.

وبهذا المعنى يصح الاعتقاد بان الوطن لا يحتمل ولا يطيق منافسة الطائفة له على السيادة، اذ في هذا ضياعه المحقق، اما الطائفة فهي حين تحل محل الوطن وتحتويه فانها تضفي صفاتها وخصائصها وولاءاتها عليه، انها تنفيه الى العدم لتشيد عدمها الخاص مكانه في هيئة حروب تدميرية عقيمة واعادة انتاج حروب اخرى من ذات الطبيعة.

لا مجال والحالة هذه لاية حلول تلفيقية تخترع توازيات وهمية وبدائل ذات مسميات محايدة شكلا تلفلف بها جوهرها الايديولوجي الرجعي. كأن يسمي الطائفي نفسه اسلاميا

او ان يدعو تنويري مزيف الى سيادة (العدل والحق) والى ازالة التميز الطائفي ولكنه يرفض البديل الديمقراطي في نفس الوقت، ان هذه الدعوة رغم ما تتستر به من شعارات (ضد الطائفية) تكرس واقع الطائفية، انها تريد في الحقيقة استبدال هيمنة طائفة، بهيمنة طائفة اخرى، وهكذا يستمر تاريخ الوطن في الدوران في حلقة مكررة من الخراب والدمار والغبن الشامل.

كيف يغيب الوطن وفقا لهذه القراءة ؟ ان المقصود ليس الغياب الجغرافي بل التاريخي الحضاري، وهذا ما يحدث فعلا حين تجتاح قوة غازية فتية وطنا فتحتله وتلغي حضوره لفترة قد تطول وقد تقصر وقد تنتهي باحتواء المغزو للغازي او العكس – ويحدث الامر ذاته حين تتمكن عصابة من السيطرة على المؤسسة القمعية ومصادر الثروة في دولة ما، فتلغي سيادة الوطن لصالح سيادة العصابة. وغالبا ما لا تعمر سيادات كهذا المثال طويلا الا في النادر، وهذا محور دراستنا.

وثمت شكل اخر من اشكال غياب وسرقة السيادة – وهي الاكثر خطورة وحضورا في عصرنا السياسي الراهن – يحدث ذلك حين تستثمر قوة سياسية طائفية منظمة مسلحة وممولة، وضعا تاريخيا شاذا ومعقدا يمر به بلد ما وتنجح الطائفة اسما ويصبح تمثيلها واقعا في احلال نفسها محل الوطن فتلغيه بما فيه – وغالبا ما تتحالف قوى كهذه مع عدو خارجي لتحقيق هيمنتها، ومن ثم تدخل في صراع شامل وابادي مع جميع المكونات التاريخية للوطن. حرثا ونسلا ومؤسساتا، ماضيا وحاضرا ومستقبلا.

لا تتشكل طبيعة النسيج المجتمعي في العراق استثناء لما هو سائد في المشرق العربي بل في الشرق عامة حيث القاعدة هي التعدد الفسيفسائي بتمظهرات بالغة التنوع والتعقيد لماهيات اثنية ودينية وطائفية – – الخ والاستثناء هو الانسجام والصفاء النوعي المحدود في الزمان والمكان – – ان هذه المحدودية تتاتى من الندرة التاريخية والجغرافية اولا – ومن التصاقها بحركة تاريخ النموذج الموصوف – وكونها حركة تاريخية يجعلها في تقاطع تام مع تاريخ آخر لا اسم له سوى تاريخ الاوهام الذي تصول وتجول فيه الكتابات الطائفية المتكاثرة هذه الايام – – وهذه الكتابات نوعان – نوع يعي طائفيته فيدافع عنها تحت شعار (اما نحن واما هم) وبعضها اكثر حياء فيتستر بما سبق ذكره من مسميات – – – النوع الثاني : وهو ما يجب تسليط الضوء عليه بشدة تكافئ خطورته- وهو ما يمكن تسميته بالطائفي مالا وتكوينا – فهذا النوع من الكتابات يشكل الجزء الاكبر والاخطر من بنية الخطاب الطائفي التقليدي والذي قد يصنف ضمن ما يمكن تسميته فولوكلور الشتائم الطائفية المتبادلة.

الحلقة التالية في الاسبوع القادم !

* مقتبس من كتاب المرئي واللامرئي في الادب والسياسة للمفكر هادي العلوي .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here