العبودية صناعة متقنة

بقلم ( كامل سلمان )

العبودية صناعة إحترافية متقنة أي أنها لا تأتي فجأة أو بالصدفة و لا يمكن وصفها بغير هذا الوصف الصناعي ، ويمكن معرفة أغوارها من خلال الاطلاع على تفاصيل هذه الصناعة التي لها تأريخ طويل في حياة البشر . نحن دائماً ننتقد سلوكيات القطيع ونعيبها ولكن للأسف تنقصنا المعرفة بأن مفردة القطيع تمثل أسوأ أنواع العبودية ، ظاهرها عبودية طوعية وحقيقتها صناعة متقنة في دهاليز الظلام فهي عبودية قهرية وهي أدهى أنواع الهندسة الصناعية في تحويل البشر إلى دواب . فلنأخذ سرداً تأريخياً لصناعة العبودية ثم لنتعرف على نسبة العبودية في أنفسنا وفي مجتمعاتنا .. من يظن منا بأنه حر بشكل مطلق فهو يجهل حقيقة نفسه . . العبودية محيطة بنا بأشكال والوان مختلفة ، نحن نعيب فقط ما ظهر منها ونغض الطرف عن ما بطن منها وعن الأنواع التي هي أكثر عيباً ، اكثر الموروثات الأجتماعية والدينية مشبعة بالعبودية ، أكثر الأفكار التي نتداولها في حياتنا اليومية فيها شوائب العبودية ، الكراهية التي تغزو عقولنا هي بحد ذاتها عبودية .. الحروب هي أحدى الطرق الكلاسيكية لصناعة العبودية ، الطرف المنتصر بالتأكيد ستكون له سلطة وأمر على الطرف المهزوم يتلاعب بماله وحلاله وأرضه وعرضه وقد يجعل الطرف المنتصر من الطرف المهزوم عبداً له ، وهذه هي احدى الطرق التي تعلمها الإنسان منذ فجر التأريخ لإستعباد الآخرين بالقوة مباشرة . هناك بديهية تتولد من العبودية بمرور الزمن وهي أن العبيد بعد سنين طويلة من العبودية تدمن أدمغتهم على العبودية وتروق لهم فيتكيفون معها ويتوارثونها كنوع من التقاليد الاجتماعية العريقة ، بعدها يقومون بالدفاع عنها والتضحية من أجلها ، فمثلاً العبيد عند الإقطاعين يتفاخرون بأنهم من أتباع الإقطاعي أو الشيخ فلان الفلاني أما الطرف المستعبد أو الإقطاعي فهو الأخر بعد طول السنين يصبح غير قادر على العيش بدون وجود العبيد تحت يديه ، فلو فقد العبيد سيفعل المستحيل لصناعة عبيد آخرين .
صناعة العبيد عند الحكام الطواغيت ، هي طريقة أخرى أعتاد عليها الحكام الذين يستطيعون تسخير امكانيات الدولة والاستحواذ عليها ومن ثم فرض سيطرتهم وتحويل جموع الناس إلى عبيد لهم ولنا أمثلة كثيرة في التأريخ . وهناك طرق أخرى لصناعة العبيد منها عن طريق التحكم بالاموال والأرزاق وهذا ما نراه عند الشركات الاحتكارية والبنوك وأرباب العمل ، ولكن الطريقة الدينية تبقى هي الأقوى والاقذر طريقة على طول التأريخ ، صحيح أن الدين يدعو إلى تحرير الإنسان وإعطاء العبودية لله فقط ، ولكن السر يكمن في كيفية تحويل العبودية لله إلى عبودية الرمز ثم عبودية الإنسان ، فالقصة تبدأ بعد رحيل الأنبياء وخروج من يسمون أنفسهم ورثة الانبياء وهم طبقة رجال الدين الذين يحرصون الحفاظ على الدين ، وبما أن رجال الدين لا يمتلكون الصلة الإيحائية بالله فأنهم يسعون إلى إعطاء أنفسهم القدسية ليكونوا الوسطاء بين الله والناس فيدعون إلى عبادة الله عن طريقهم التي تتحول تدريجياً إلى عبادة رجال الدين ( المقصود برجال الدين الذين يسعون إلى السلطة والتسلط وليس جميع رجال الدين )، لا تكتمل عبودية رجال الدين مالم تكن لهم قدسية في نفوس الناس ، ومن المستحيل أن تتقبل جموع الناس قدسية رجال الدين مالم تكن هناك أكاذيب ودجل ونصوص مصطنعة تنسب للأنبياء تعظم من شأن رجال الدين وتعطي لهم القدسية . عبودية رجال الدين تصل إلى أوجها عندما يستطيع فيها رجل الدين أن يتحكم بالجنة والنار بالنسبة للأخرة ، ويستطيع التحكم بتفاصيل حياة الناس في الدنيا . وحتى قبول الأعمال عند الله تمر من خلالهم أي بمعنى أنها عبودية أبدية لأن فيها وكالة من الله كما يدعون .
السؤال هنا ، لماذا نعتبر عبودية رجال الدين للناس هي الأخطر ؟ هذا السؤال يشرح جميع الألغاز التي تحيط برجال الدين . رجل الدين هو نفسه يعيش عبودية النصوص في الظاهر ، ويعتبرها هي الحقيقة المطلقة ويجب على جميع الناس تصديقها والخضوع لها ، ولا يدري بأن هذه النصوص قسم كبير منها هي صناعة اشخاص كانت عقولهم شيطانية تمت إضافتها عبر مراحل زمنية . الخطورة تكمن في أن هذه العبودية تأتي على العقل أولاً وقبل كل شيء فتدمره وتسلب منه القدرة على التفكير ، فتمنع العقل من التحرر وتمنع عنه النظرة الإيجابية للحياة لأن هذه الحياة حسب مفهوم رجال الدين هي ليست الحياة الحقيقية وإنما الأخرة هي الحياة الحقيقية والدنيا دار ممر فلا داعي للأهتمام بهذه الحياة . تسقيط قيمة الحياة الدنيا وتشويه أهميتها هي البوابة الرئيسية لدخول عالم العبودية الدينية . في عقيدة رجال الدين الإنسان مهما فعل يبقى مذنب أمام الله فيسهر الليالي يستغفر لذنوبه ، يضرب نفسه يهين نفسه يضحي بنفسه ، يتوسل ليلاً ونهاراً يفعل كل شيء ليخفف عن نفسه الذنوب ، لا يفكر بتطوير نفسه ولا يفكر بالمستقبل ، يبكي على الذنوب التي حالت دون وصوله إلى الكمال . يدخل مراحل الاعتكاف والندم لأن الذنوب تعذيب للذات . هذه المراحل تقتل الحيوية التي هي اساس الحياة ( هذا السيناريو ينتشر بقوة بين أوساط الطبقات الفقيرة والمحرومة لأنهم صيد سهل ) ، الحياة بلا حيوية موات . ولو قارناها بحياة الانبياء سنجدها العكس تماماً ، فحياة الانبياء الذين هم أساس الدين حياتهم مفعمة بالحيوية والنشاط والملذات والجنس والتحاور والتشاور والعمل ، فكيف تحولت بعد أجيال إلى عبودية ؟ السر هنا في دور رجال الدين الذين يستفيدون من الموروث التأريخي ويضيفون له ديمومة الأستمرار بما يخدم تطلعاتهم . . العملية برمتها هي فن التلاعب بالأفكار الموروثة ، من خلال هذا الملخص نفهم بأن العبيد هم ضحايا وهم مجبورون منذ نعومة أظفارهم ليكونوا عبيداً لغيرهم ، لذلك نسميها صناعة وليست اختياراً .

[email protected]

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here