أصل الكلمة ”حَنَفِيّة“

أ. د. حسيب شحادة
جامعة هلسنكي

”الحَنَفِيّة“، هذه التسمية في تقديري، هي الشائعة اليوم، في كلّ الدول العربيّة، ولكنّا نصادف أحيانًا:”الصُّنبْور“، ”الخلّاط“ وفيه محبسان واحد للماء البارد والاخر للماء الساخن،”به لوعه“ (في الكرديّة السورانيّة)، ”بزبوز“ ربّما من ”بوز“، أي ”الفم“ بتعبير غير مؤدَّب، مثلًا في حضرموت، ”دبة الماء، بلبلة، لولة“ في بعض مناطق العراق و”كاك“ بجانب ”حنفيّة“ في بغداد وفي جنوب العراق ويبدو أنّها من cock الإنچليزيّة (وفيها faucet, tap, spigot أيضًا)، ”وتْششمة ووِلْف“ والأولى من التركيّة çeşme والثانية من الإنچليزيّة valve وجمعها ”وِلْفات“ و”شير/ضربه زدن /آب“ في الإيرانيّة؛ و”مزملة الماء“ في المعجم السُّريانيّ العربيّ – روض الكلم لبنيامين حدّاد (1931- )،ج. 1، بغداد، 2005، ص. 251 (المُزَمَّلة ج. مُزَمّلات، هي جرّة لحفظ الماء وتبريده وهي ملفوفة بالخيش).

ما أصل هذا الاسم ”حنفيّة“؟

نُشير إلى أنّ مخترِع الصُّنْبور (سعفة في جذع النخلة ( طِلِق في لهجتي الكفرساويّة) الساخن والبارد، كان الكَنديّ توماس كامبل قد اخترعه في العام 1880. وقد عمّر هذا الاختراع حتّى العام 1937، فجاء دور المخترع الأمريكيّ، ألفريد موين (Alfred M. Moen, 1916-2001)، بعد أن أُصيبت يداه بحروق ما من الماء الساخن جدًّا عند الاستحمام؛ ممّا جعله يفكّر في اختراع ”حنفيّة“ ذات مَقبض واحد، وأفلح في ذلك بعد تجارب سنوات. وكان كامبل قد حظِي بخمس وسبعين بَراءة اختراع، ثمّ تلاه كالعادة، مخترعون آخرون وطوّروا المنتج. وهكذا تطوّرت صناعات الصنابير/الحنفيّات شكلًا وحجمًا ومن حيثُ طريقة استخدامها. فممّا نجده اليوم مثلًا حنفيّاتُ تعمل بوضع الكفّين تحتَها، فيتدفّق الماء وعند رفع الكفّين يتوقّف، كلّ ذلك بدون لمس مَقبض الحنفيّة، وهذا اختراع صحيّ لتفادي انتقال الجراثيم والڤيروسات.

هنالك عدّة آراء أوِ اجتهادات حول تأثيل/أصل (etymology) ”حنفيّة“ منها:

1) ”الحنفيّة“، تسمية قديمة مشتقّة من الجَذر ”حنف“ ويعني الاستقامة، و”الصُّنْبور“ مستقيم. هذا الرأي، ليس بعيدًا عن التأثيلات الشعبيّة (folk etymology) من قَبيل القول: إنّ أصل الإنفلونزا من أنف العنزة.

2) الأصل أجنبيّ، من اللغة القُبطيّة القديمة ”حونفا“ (لم أعثر على هذه اللفظة) بمعنى ”الصُّنْبور“. من الكلمات قبطيّة الأصل التي دخلت العربيّة يمكن التنويه بما يلي: أردب، أمْبو، أمْشه (كرباج)، أيْوه، بح، برسيم، تابوت، تخّ، فوطة، شبشب، زير الماء، كاني ماني (عسل وسمنة).

3) من المذهب الحنفيّ: يُروى أنّ حاكم مصرَ، محمّد علي باشا الحنفيّ، الملقّب بالعزيز، أو عزيز مصر (فترة حُكمه 1805-1848) قرّر إدخال ”الصنابير“ أو ”البزابيز“ إلى المساجد للوُضوء، بدلًا ممّا كان مستخدمًا من قبلُ، الطاسة أو الغَضَارة، أي الإناء الحزفيّ المقعّر، تسهيلًا على المصلِّين. لم يقبَل علماء المذاهب الإسلاميّة الثلاثة الآخرون، الحنابلة والشافعيّون والمالكيّون، بهذا التغيير، ناعتين إياه بالبِدْعة. هنالك من يذهب بعيدًا، ويعزو استخدام الحنفيّات إلى العصر العباسيّ أو حتّى إلى العصر الأمويّ.

4) بُعيْد الاحتلال البريطانيّ لمصرَ، وبالتحديد في السابع من أيّار العام 1884، أصدرت حكومة ذلك الاحتلال قانونًا حمَل رقم 68 وقضى باستبدال المتوضَّأ/المِيضأة، أي مكان الوُضوء (جاء في قصّة عثمان بن حنيف: اِئْتِ المِيضأةَ فتوضَّأْ ثُمَّ ائتِ المسجدَ، فصلِّ فيهِ ركْعَتَيْن)، في الجوامع بصنابيرَ متّصلة بشبكة مياه أقامتها. (اُنظر:https://www.marefa.org/%D8%B5%D9%86%D8%A8%D9%88%D8%B1?fbclid=IwAR2gHblxvz9ab8LE2XROFynft4FcFEj_0emEOiJ6D974Y5H1_WZXaNRXky0#cite_note-poole-1.

هنالك منشور من نِظارة الداخليّة بما تقرّر فى مجلس النظّار، عن مسألة المراحيض النقّالة المقتضى إحداثها وميض الجوامع اللازم استبدالها بحنفيّات. قوبِل ذاك الاستبدال بمعارضة مشايخ مذاهب الشافعيّة والحنبليّة والمالكيّة في جامع الأزهر، في حين أنّ مشايخ المذهب الحنفيّ فقط، أيّدوا الاستبدال المذكور، لتفضيلهم الوضوءَ بالماء الجاري. قبل هذا الاستبدال، دأب المصلّون المتوضِّئون على نيل برَكة الشيخ القائم على المتوضّأ. يذكَر أيضا، أنّ سببًا آخرَ أُدرج لرفض هذا الاختراع ”الحنفيّة“، ألا وهو تكوّن بِرك المياه في الشوارع، حيث كثُرت الحنفيّات، وعند مرور العربات التي تجرّها الخيول، كانت تتطاير الأوساخ وتصل المؤمنين المارّين من هناك (اُنظر مثلا: http://scholarship.rice.edu/jsp/xml/1911/9187/750/PooStor.tei-timea.html#index-div1-N102F0، ص. IX, ). يبدو لي أنّ هذا الرأي هو الأقرب إلى الصواب.

هذّة قصّة ولادة هذه الكلمة في العربيّة المعاصرة والتي شاعت لاحقًا؛ أمّا في العبريّة الحديثة فهنالك كلمة ”بيرِزْ“ المستمدّة من الآراميّة ”بِرْزا“ ومعناها ”ثَقْب في برميل“، أمّا في السُّرْيانيّة، الأخت الثانية للعربيّة فنجد مثلًا ”فِثْيُونو“ الواردة في معجم بنيامين حدّاد المذكور أعلاه، وفي معجم بَهرا العربيّ السُّريانيّ بقلم يونان هوزايا واندريوس يوخنّا، طبعة أربيل عام 1998، فطبعة شيكاغو عام 1999 فطبعة أربيل عام 2014، وهو متوفّر إلكترونيًّا على الشابكة بالمجّان؛ وفي معجم المُطران، يعقوب أوجين/أوكين مَنّا، 1867-1928 الذي يضيف لفظة ”قُوزو“، والتي تعني أشياءَ كثيرة أيضًا وهي: ”قصير القامة؛ ذميم؛ نمس، حيوان يخنق الدجاج؛ سِنجاب؛ حيوان على حدّ اليربوع أكبر من الفأر وشعره في غاية النعومة يُتّخذ من جِلده أحسن الفرّاء؛ مجرى للصندوق كالحنفيّة؛ عجم التمر“. كما ترِد الكلمة ”روبينتو“ في السُّريانيّة بمعنى ”الحنفيّة“، مثلًا في القاموس الرباعيّ: سُريانيّ، عربيّ، سويديّ، إنچليزيّ؛ من الواضح أنّ هذه الكلمة مأخوذة من اللفظة الفرنسيّة le robinet. وفي اللغتين الساميّتين، الأمهريّة/الحبشيّة والتغرينيّة، نجد bwanibwa في الأولى و qedḥe, ḥanefa في الثانية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here