النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين أصولها، أسبابها ونتائجها/11

النظرة الفارسية الدونية للعرب المسلمين
أصولها، أسبابها ونتائجها/11

علي الكاش

ج. مفهوم الأعراب
إن تسمية العرب بالإعراب من قبل الفرس كما يرد في أشعار وتعابير بعضهم، الغرض منه إهانة العرب مع أن هناك فارقا شاسعا بين الوصفين.
سُمِّي العرب بهذا الاسم لأنه مُشتَّقٌ مِن الإبانة ، لقولهم : أعرب الرجل عما في ضميره إذا أبان عنه. وقد حصر ابن خلدون أجيال العرب مِن مبدأ الخليقة إلى عهده في أربع طبقات متعاقبة : العرب العاربة (وتُسمى البائدة لأنه لم يبق منهم أحد ) وهم الراسخون في العروبية، والعرب المستعربة الذين انتقلت إليهم السمات والشعائر العربية ، والعرب التابعة لعربٍ مِن قضاعة وقحطان وعدنان، والعرب المستعجمة الذين استعجمت لغتهم اللسان المضري ومَن له مُلك بدوي بالمغرب والمشرق . قال الجرجاني” الأعرابي: هو الجاهل من العرب”. (كتاب التعريفات/31). وقال التوحيدي” فلان أعرابي إذا كان بدوياً، وهو عربي أيضاً”. (البصائر والذخائر9/64).
كما قال الطبري أن” الاعراب هم غير العرب، فالأعرابي هو البدوي وجمعه أعراب وأعاريب وعربان. ويرفض العربي ان تطلق عليه تسمية اعرابي ويعدها اهانة لأن الاعرابي لا يتصل بالحضر الا لحاجة ثم يعود لحياته في البادية متنقلا وراء الكلأ والماء والعشب. وما جاء في الذكر الحكيم” قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا” وكذلك” الاعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله”. جاءت عن قوم في بادية العرب قدموا للنبي في المدينة ليس حبا بالإسلام وإنما طمعا في الصدقات. لذلك اطلق عليهم في القرآن لفظ الاعراب. لذلك ورد في حديث نبوي بان التعرب بعد الهجرة يعد من الكبائر اي العودة الى حياة البادية والاقامة مع الاعراب. راجع لسان العرب مادة عرب. وقد طلبوا من النبي إعفائهم من الزكاة فرفض طلبهم وبعد وفاته رفضوا دفعها لأبي بكر مبررين رفضهم بأنها كانت تخص النبي وبوفاته انتهى غرضها فحاربهم ابو بكر ثم عادوا لدفعها على مضض، ومنهم نشأت جماعة الصعاليك وكانوا يمتهنون الغزو والنهب”. (تأريخ الطبري4/207). وقال التوحيدي” الأمم عند العلماء أربع: الروم، والعرب، وفارس، والهند، وثلاث من هؤلاء عجم، وصعب أن يقال: العرب وحدها أفضل من هؤلاء الثلاثة، مع جوامع ما لها، وتفاريق ما عندها”. (الإمتاع والمؤانسة1/70). و قال ابن دريد” الْعرب العاربة: سبع قبائل: عَاد وَثَمُود وعمليق وطسم وجديس وأميم وجاسم وَقد انقرضوا كلهم إِلَّا بقايا مُتَفَرّقين فِي الْقَبَائِل”. (جمهرة اللغة1/318).
كما ذكر مرتضى الزبيدي” قال الحافظ عماد الدين بن كثير في تاريخه: قيل إِن جميع العرب ينتسبون إِلى إِسماعيل (ع) والصحيح المشهور أَن العرب العاربة قبل إِسماعيل وهم: عاد، وثمود، وطسم، وجديس، وأَميم، وجرهم، والعماليق. وأُمم آخرون كانوا قبل الخليل (ع)، وفي زمانه أَيضاً، فأَما العرب المستعربة وهم عرب الحِجاز فمن ذرية إِسماعيل (ع)، وأَما عَرب اليمن، وهم حمير، فالمشهور أَنهم من قَحطان، واسمه مِهْزَم. قال ابنُ ماكُولا، وذكروا أَنهم كانوا أَربعة إِخوةٍ، وقيل: من ذريته، و قيل: إِن قحطانَ ابنُ هودٍ، وقيل: أَخوه، وقيل: من ذُريته، وقيل: إِن قحطان من سُلالة إِسماعيل (ع)، حكاه ابن إِسحاق وغيره، والجمهور أَن العرب القحطانية من عرب اليمن وغيرهم ليسوا من سلالة إِسماعيل (ع)”. (تاج العروس1/54).
لذا فان الأعراب هم جزء من العرب وهذا أمر مفروغ منه، ولكن ليس من الأنصاف ان يُلحَق الجزء الأكبر او الجمع بالجزء الأصغر، فهذا يخالف المنطق لأن الجزء هو من يُلحق بالجمع. والمراد من التسمية الفارسية هو إهانة العرب ومحو مظاهر الحضارة عنهم، وإبقاء صفة البداوة عليهم، مع ان البداوة لا تشكل إهانة للقوم مطلقا. على العكس إن قيم البداوة وتقاليدهم واعرافهم وآدابهم محط احترام الجميع، لكن هذا ديدن الفرس مع العرب.

العرب البائدة
قال شهاب الدين العمري” العرب البائدة: طسم وجديس، وكانت مساكن هاتين القبيلتين باليمامة من جزيرة العرب، وكان الملك عليهم في طسم، واستمروا على ذلك برهة من الزمان حتى انتهى الملك إلى رجل ظلوم غشوم قد جعل سنّته أن لا تهدى بكر من جديس إلى بعلها حتى تدخل عليه فيفترعها. ولما استمرّ ذلك على جديس أنفوا منه، واتفقوا على أن دفنوا سيوفهم في الرمل، وعملوا طعاما للملك ودعوه إليه، فلما حضر في خواصّه من طسم عمدت جديس إلى سيوفهم فانتزعوها من الرّمل وقتلوا الملك وغالب طسم، فهرب رجل من طسم وشكا إلى تبّع بن حسّان ملك اليمن، فسار ملك اليمن إلى جديس وأوقع بهم وأفناهم، فلم يبق لطسم وجديس ذكر بعد ذلك” (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار4/247).

تصنيف العرب
1. العرب العاربة
قال شهاب الدين العمري” العرب العاربة: العرب العاربة: بنو قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام، فمنهم بنو جرهم ابن قحطان، وكانت منازلهم بالحجاز، ولما أسكن إبراهيم الخليل ابنه إسماعيل عليهما السلام مكة، كانت جرهم نازلين بالقرب من مكّة واتصلوا بإسماعيل وزوّجوه منهم، وصار من ولد إسماعيل العرب المستعربة لأنّ أصل إسماعيل ولسانه كان عبرانيا، فلذلك قيل له ولولده العرب المستعربة” (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار4/248).

2. العرب المستعربة
قال شهاب الدين العمري” وأما العرب المستعربة فهم ولد إسماعيل، وقيل لهم المستعربة لأنّ إسماعيل لم يكن لغته عربية بل عبرانية ودخل في العربية فلذلك سمّي ولده المستعربة. سبب سكنى إسماعيل وأمّه مكة أنّ ذلك كان بسبب سارة رضي الله عنها، وأنّ الله تعالى أمر إبراهيم أن يطيع سارة، وأن يخرج إسماعيل عنها، فخرج إبراهيم من الشام ومعه إسماعيل، وقدم بهما مكة، وقال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ عشرة سنة، وذلك لمضيّ مئة سنة من عمر إبراهيم، فمن سكنى إسماعيل عليه السلام مكة إلى الهجرة ألفان وسبع مئة وثلاث وتسعون سنة، وكان هناك قبائل جرهم، فتزوج إسماعيل منهم امرأة، وولدت له اثني عشر ولدا ذكرا فمنهم قيدار، وماتت هاجر ودفنت بالحجر، ومات إسماعيل ودفن معها” (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار4/267).

د. لماذا لا يكره الفرس بقية الشعوب؟
يقول الميرزا حسن الحائري الإحقاقي” إن الصدمات التي واجهها كل من شعبي إيران و الروم الكبيرين نتيجة لحملات المسلمين و المعاملة التي تلقوها من الأعراب، البدائيين الذين لا علم لهم بروح الإسلام العظيمة، أورثت في نفوسهم نزعة صدود عن العرب، وشريعة العرب، فطبيعة سكان البادية الأوباش الخشنة، وذلك الخراب والدمار اللذين ألحقوهما بالمدن الجميلة، والأراضي العامرة، في الشرق والغرب، وغارات عباد الشهوات العطشى إلى عفة وناموس الدولتين الملكية والامبراطورية”. (رسالة الإيمان/24).
الأمر الذي يثير حفيظة العرب هو ان الفرس لهم عداوات تأريخية كبيرة مع الاغريق والرومان والعثمانيين وغيرهم من الأقوام، لكنهم لا يجروا على إهانتهم او الاستعلاء عليهم، كما يفعلوا مع العرب! وهذا مرده ضعف العرب وتخاذلهم، وعدم وقوفهم بقوة أمام الفرس، او الردٌ على افتراءاتهم على أقل تقدير. لاحظ الكتب العربية التي تحدثت عن شعوبية الفرس، إنها لا تزيد عن عدد أصابع الإنسان، وهذا خطر جسيم تبينت آثاره لاحقا. خذ هذا المثل، الفرس يعيرون العرب بما يسمى بشرب بول البعير، وهي حالة شاذة لا يمكن إعمامها!
لنقرأ هذه الرواية: ذكر ابن بطوطة” لما ملك خسرو خان آثر الهنود وأظهر أموراً منكرة منها النهي عن ذبح البقر على قاعدة كفار الهنود فإنهم لا يجيزون ذبحها وجزاء من ذبحها عندهم أن يخاط في جلدها ويحرق. وهم يعظمون البقر ويشريون أبوالها للبركة وللاستشفاء إذا مرضُوا ويلطخون بيوتهم وحيطانهم بأرواثها”. (رحلة ابن بطوطة2/341).
السؤال: لماذا لا يعير الفرس الهنود عن شرب بول البعير؟
الجواب: لأن حقدهم منصب على العرب فقط، ولأنهم العرب غير موحدين، بل الأمر منه ان الكثير من العرب يوالون الفرس، وهذه حالة نادرة في تأريخ الأمم.
لنستعرض بعض النماذج المحيرة حول علاقة الفرس بغيرهم من الشعوب ونسيان إساءاتهم مع شدة خسائرهم، واستذكارهم الفتح الإسلامي باعتباره مثلبة بحقهم.
قال الحميري” كان في مرو سرير سلطنة خراسان من قديم الزمان، وفيها معظم العسكر، فأرسل الططر(أي التتر) في الخفية إلى البلد: إن أنتم قاتلتمونا مثل أهل بلخ ونيسابور وهراة لم يبق منكم أحد، وفعلنا بكم كما فعلنا بهم ولا يغركم الجند فإنهم يفرون على خيولهم ويتركونكم في أيدينا، وأرسلوا إلى الجند: خلوا بيننا وبين الرعية والأموال وسيروا حيث تحبون، فتجادل الصنفان، وركن أهل البلد إلى تأمينهم، فلما ملكوا المدينة لم يبقوا على بلدي ولا جندي، ومن أفلت من الجند أدركته خيل الططر، وخرجت عليهم من كمائنهم التي وضعوها في البساتين والرساتيق، وجاءوا من كل حدب ينسلون، وانجلت الحال عن سبعمائة ألف قتيل من المسلمين وإنما عرف عددهم بأن وضعت عليهم قطع القصب، وكان القتلى بنيسابور وبلخ وهراة أكثر مما كانوا بمرو، وهذه أمهات مدن خراسان التي كان المثل يضرب بعمارتها وعظمها، خربوها وقتلوا أهلها في بعض سنة، وفعلوا في مدارس هذه المدن وربضها ما تنبو عنه الأسماع، فسبحان من أرسلهم لطي الدنيا”. (الروض المعطار/533). وأضاف الحميري” وفي سنة ثمان عشرة وستمائة نزل الططر(التتر) على نيسابور وهي حينئذ عروس خراسان، ومحط التجار من سائر البلدان، وبها الطراز الأعظم، وفيها من الأئمة والعلماء والسادة والكبراء خلق لم يجتمع في سواها وقد طابت غلاتها فراموا فيها مكراً بتأمين أو خديعة، فقال أهلها: الكلب خير من صاحب أمرهم فإنه يحفظ العهد وهو ما له عهد ولا يفي بقول قد غدر بأهل بخاري وأهل سمرقند وغيرهما، فكيف ننخدع بعدما سمعنا، وفينا من يرغب في الشهادة وما برحوا يقاتلون حتى دخل الططر عليهما محلة فمحلة، ولم يبقوا على أحد حتى انهم قتلوا الأطفال وكثيراً من النساء، إذ كان فيهن من يرمي عليهم الحجارة من السطوح، وخربوا المدينة وتركوها موحشة وساروا إلى أختها مرو”.( الروض المعطار/589).
ذكر ابن خلدون” والفرس يومئذ قد ملكوا مصر والإسكندرية. وأمّا هرقل فسار من بيت المقدس إلى مصر وملكها وقتل الفرس، وولّى على الإسكندرية فوس وكان أمانيّا وجمع له بين البطركة والولاية”. (تأريخ ابن خلدون2/265). وأضاف ابن خلدون” خرج هرقل بنفسه في ثلاثمائة ألف من الروم وأربعين ألفا من الخزر الذين هم التركمان، وسار إلى بلاد الشام والجزيرة وافتتح مدائنهم التي كان ملكها كسرى من قبل وفيما افتتح أرمينية، ثم سار إلى الموصل فلقيه جموع الفرس وقائدهم المرزبان فانهزموا وقتل”. (المصدر السابق2/266). وقال” كانت بين واليطينوس قيصر وبين سابور كسرى فتنة وحروب وهلك في بعض حروبه معهم”. (المصدر السابق2/255). كما ذكر ” لما تملّك هرقل بعث أبرويز بالصلح بوسيلة قتلهم موريكش فأجابهم على تقرير الضريبة عليهم فامتنعوا فحاصرهم ست سنين أخرى إلى الثمان التي تقدّمت، وجهدهم الجوع فخادعهم هرقل بتقرير الضريبة على أن يفرج عنهم حتى يجمعوا له الأموال. وضربوا الموعد معه ستة أشهر، ونقض هرقل فخالف كسرى إلى بلاده، واستخلف أخاه قسطنطين على قسطنطينية، وسار في خمسة آلاف من عساكر الروم إلى بلاد فارس فخرّب وقتل وسبى وأخذا بني أبرويز كسرى من مريم بنت موريكش وهما قبّاد وشيرويه. ومرّ بحلوان وشهرزور إلى المدائن ودجلة ورجع إلى أرمينية، ولما قرب من القسطنطينية، وارتحل أبرويز كسرى إلى بلاده فوجدها خرابا وكان ذلك مما أضعف من مملكة الفرس وأوهنها”. (المصدر السابق2/264). وأضاف” أجفل أبرويز عن المدائن واستولى هرقل على ذخائر ملكهم، وكان شيرويه بن كسرى محبوسا فأخرجه شهريار وأصحابه وملكوه وعقدوا مع هرقل الصلح”. (المصدر السابق 2/266).
لماذا لا يكره الفرس سليمان القانوني الذي كان يتسمى باسم (كاسر رقاب الأكاسرة) و (كاسر الأكاسرة) وأكاسرة جمع كسرى وتقابل بالفارسية (خسرو). كانت أول حرب له ضد الفرس عام 940 هـ بقيادة إبراهيم باشا الصدر الأعظم، ودخل تبريز عام 942 هـ. والحرب الثانية عام 954 حيث دخل السلطان سليمان القانوني شيروان وتبريز. والحرب الثالثة عام 960 هـ استولى فيها السلكان على تخجوان مقر حكم الشاه وخربها. (تأريخ الدول وآثار الأول للقرماني1/46).

7. مثالب الفرس
ذكر ابن ظافر الأزدي” قال بديع الزمان الهمذاني: كنت عند الصاحب كافي الكفاة أبي القاسم إسماعيل بن عباد يوماً، وقد دخل عليه شاعر من شعراء العجم، فأنشده قصيدةً يفضل فيها قومه على العرب، وهي:
غنينا بالطبول عن الطـلول وعن عنسٍ عذافرةٍ ذمول
وأذهلني عقار عن عقــــارٍ ففي است أم القضاة مع العذول
فلست بتاركٍ إيوان كسرى لتوضح أو لحومل فالدخول
وضبٍ بالفأ ألا ساعٍ وذئبٍ بها يعوي وليث وسط غيل
يسلون السيوف لرأس ضب حراشاً بالغداة والأصيل
إذا ذبحوا فذلك يـــــوم عيدٍ وإن نحروا ففي عرسٍ جليل
أما لو لم يكــــن للفرس إلا نجار الصاحب القرم النبيل
لكان لهم بذلك خير فخــرٍ وجيلهم بذلك خير جيل
فلما وصل إلى هذا الموضع من إنشاده، قال له الصاحب: قدك. ثم اشرأب ينظر إلى الزوايا وأهل المجلس – وكنت جالساً في زاوية من البهو فلم يرني – فقال أين أبو الفضل؟ فقمت وقبلت الأرض وقلت: أمرك! قال: أجب عن ثلاثتك! قلت: وما هي؟ قال: أدبك، ونسبك، ومذهبك.
فأقبلت على الشاعر فقلت: لا فسحة للقول ولا راحة للطبع إلا السرد كما تسمع. ثم أنشأت أقول:
أراك على شفا خطرٍ مهول بما أودعت لفظك من فضول
تريد على مكارمنا دليـــلا متى احتاج النهار إلى دليل!
ألسنا الضاربين الجزى عليكم وإن الجزي أولى بالذليل
متى قرع المنابــــــر فارسي متى عرف الأغر من الحجول!
متى عرفت وأنت بها زعيما كف الفرس أعراف الخيول!
فخرت بملء ما ضغتيك هجراً على قحطان والبيت الأصيل:
وتفخر أن مأكولا ولبساً وذلك فخر ربات الحجول
ففاخرهن في خذ أسيلٍ وفرعٍ في مفارقها رسيل
وأمجد من أبيك إذا تزيا عراة كالليوث على الخيول
قال: فلما أتممت إنشادي التفت إليه الصاحب، وقال له: كيف رأيت؟ قال: لو سمعت به ما صدقت.
قال: فإذن جائزتك جوازك؛ إن رأيتك بعدها ضربت عنقك. ثم قال: لا أرى أحداً يفضل العجم على العرب إلا وفيه عرق من المجوسية ينزع إليها.”. (بدائع البدائه/33).
يشيد الفرس بمعاجز ملوكهم وهي ليست سوى أساطير ومعاجز من وحي خيالهم، قال ابو الطيب الحسيني القنوجي” نقل المؤرخون أن زركش كاويان وهي راية كسرى كان فيه الوفق المئيني العددي منسوجا بالذهب في أوضاع فلكية رصدت لذلك الوفق ووجدت الراية يوم قتل رستم بالقادسية واقعة على الأرض بعد انهزام أهل فارس وشتاتهم وهو الطلسمات والأوفاق مخصوص بالغلب في الحروب وإن الراية التي يكون فيها أو معها لا تنهزم أصلا إلا أن هذه عارضها المدد الإلهي من إيمان أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وتمسكهم بكلمة الله فانحل معها كل عقد سحري ولم يثبت وبطل ما كانوا يعملون”. (أبجد العلوم1/418).
ومن تواريخهم المبالغ فيها:
قال الجاحظ” عن الكسروي كان أول من أبدع النيروز، وأسس منازل الملوك، وشيد معالم السلطان، واستخرج الفضة والذهب والمعدن، واتخذ من الحديد آلات، وذلل الخيل وسائر الدواب، واستخرج الدر وجلب المسك والعنبر وسائر الطيب، وبنى القصور واتخذ المصانع، وأجرى الأنهار (كيا خسرو بن أبرويز جهان) وتفسيره: حافظ الدنيا بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام. وكان الأصل فيه أنه، في النيروز، ملك الدنيا، وعمر أقاليم إيران شهر، وهي أرض بابل، فيكون النيروز في أول ما اجتمع ملكه، واستوت أسبابه، فصارت سنة، وكان في ملكه ألف سنة وخمسين سنة، ثم قتله البيوراسف، وملك بعده ألف سنة إلى أفريدون بن أثفيان، وفيه يقول حبيب:
وكأنه الضحاك في فتكاته بالعالمين وأنت أفريدون
فطلب البيوراسف، وملك بعده ألف سنة وخمسين سنة، وأسره بأرض المغرب، وكبله وسجنه بحبل دنياوند، واستوفى عدة ما كتب الله له من عمره، واتفق لأفريدون سجن البيوراسف يوم النصف من مهر ماه ومهر روز، فسمى ذلك اليوم المهرجان”. (المحاسن والأضداد/313). الحقيقة ان العرب كانوا يسخرون من النيروز، قال ابن حمدون” فر أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد من أبي فديك الخارجي، فسار من البحرين إلى البصرة في ثلاثة أيام، فجلس يوما بالبصرة فقال: سرت على فرسي المهرجان من البحرين إلى البصرة في ثلاثة أيام، فقال له بعض جلسائه: أصلح الله الأمير فلو ركبت النيروز لسرت إليهم في يوم واحد”. (التذكرة الحمدونية2/496).
قال الجاحظ ايضا بهذا الصدد” حكي عن أبي جعفر بن محمد بن علي بن الحسن (ع)، أنه قال في ذلك: إن أناساً من بني إسرائيل أصابهم الطاعون، فخرجوا من مدينتهم هاربين إلى أرض العراق، فبلغ كسرى خبرهم، فأمر أن تبنى لهم حظيرة يجعلون فيها، لترجع أنفسهم إليهم؛ فلما صاروا في الحظيرة ماتوا، وكانوا أربعة آلاف نفس. ثم أن الله تعالى أوحى إلى نبي ذلك الزمان: إن رأيت محاربة بلاد كذا، فحاربهم ببني فلان. فقال: يا رب، كيف أحاربهم، وقد ماتوا؟ فأوحى الله إليه: إني أحييهم لتحارب بهم، وتظفر بعدوك، فأمطر الله عز وجل ليلة صب الماء، فأصبحوا أحياء، فهم الذين قال الله تعالى فيهم ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ)) قال: هؤلاء قوم أصابتهم محنة من الأزل، قحطوا زماناً فهزلوا، وأجدب بلدهم، فغيثوا في هذا اليوم برشة من مطر، فعاشوا وأخصبت بلادهم، فجعله الفرس سنّة”. (المحاسن والأضداد/316).
كما ذكر الجاحظ” زعم زرادشت أن الفأرة من خلق الله. وأن السنّور من خلق الشيطان. فقيل للمجوس: ينبغي على أصل قولكم أن يكون الشيء الذي خلق الله خيرا كله ونفعا كلّه، ومرفقا كله، ويكون ما خلق الشيطان على خلاف ذلك. ونحن نجد عيانا أن الذي قلتم به خطأ. رأينا الناس كلهم يرون أن الفأر بلاء ابتلوا به، فلم يجدوا بدّا من الاحتيال لصرف مضرّته، كالداء النازل الذي يلتمس له الشفاء. ثم وجدناهم قد أقاموا السنانير مقام التداوي والتعالج، وأقاموا الفأر مقام الداء الذي أنزله الله، وأمر بالتداوي منه، فاجتلبوا لذلك السنانير وبنات عرس، ثم نصبوا لها ألوان الصيّادات، وصنعوا لها ألوان السّموم والمعجونات التي إذا أكلت منها ماتت. واسترفهوا السنانير واختاروا الصيّادات.
” زعم زرادشت أن السّنّور لو بال في البحر، لقتل عشرة آلاف سمكة. فإن كان إنما استبصر في ذمّه في قتل السمك فالسمك أحقّ بأن يكون من خلق الشيطان؛ لأن السمك يأكل بعضه بعضا، والذكر يتبع الأنثى في زمان طرح البيض، فكلما قذفت به التهمه. وإن غرق إنسان في الماء، بحرا كان أو واديا، أو بعض ذوات الأربع- فالسمك أسرع إلى أكله من الضّباع والسنور إلى الجيف. وعلى أنّ اعتلاله على السنور، وقوله: لو بال في البحر قتل عشرة آلاف سمكة. فما يقول فيمن زعم أن الجرذ لو بال في البحر قتل مائة ألف سمكة؟ وبأي شيء يبين منه؟ وهل ينبغي لمن كسر هذا القول الظاهر الكسر، المكشوف الموق أن يفرح؟! وهل تقرّ الجماعة والأمم بأنّ في الفأر شيئا من المرافق؟! وهل يمازج مضرّتها شيء من الخير وإن قلّ؟ أو ليست الفأر والجرذان هي التي تأكل كتب الله تعالى، وكتب العلم، وكتب الحساب؛ وتقرض الثّياب الثمينة، وتطلب سرّ نوى القطن، وتفسد بذلك اللّحف والدّواويج والجباب، والأقبية والخفاتين، وتحسو الأدهان، فإن عجزت أفواهها أخرجتها بأذنابها؟! أو ليست التي تنقب السّلال وتقرض الأوكية وتأكل الجرب حتى يعلّق المتاع في الهواء إذا أمكن تعليقه !وتجلب إلى البيوت الحيّات؛ للعداوة التي بينها وبين الحيّات، ولحرص الحيّات على أكلها، فتكون سببا في اجتماعها في منازلهم، وإذا كثرن قتلن النفوس. وقال ابن أبي العجوز: لولا مكان الفأر لما أقامت الحيّات في بيوت الناس، إلا ما لا بال به من الإقامة”. (كتاب الحيوان5/172).
أضاف الجاحظ” وزرادشت بهذا العقل دعا الناس إلى نكاح الأمهات، وإلى التوضؤ بالبول، وإلى التوكيل في نيك المغيبات، وإلى إقامة سور للسّنب ( عيد للخفض، ونساء المجوس يحتفلون يوم تطهير المرأة )، وصاحب الحائض والنفساء (من عادة المجوس تكريم صاحب الحائض في أول يوم يحدث الطمث فيه لابنته البالغ، لأنه أصبح أبا مستعدّا لزيادة البشر ). ولولا أنّه صادف دهرا في غاية الفساد، وأمّة في غاية البعد من الحرية ومن الغيرة والألفة، ومن التقزّز والتنظف، لما تمّ له هذا الأمر”. (كتاب الحيوان5/174).
قال البكري” في زمان يتأسف صاحب بابل ظهر زرادشت بن اسبيتمان الذي تدّعي المجوس أنه نبيّهم. كان من علماء أهل فلسطين خادما لإرميا، فخانه فدعا الله عليه فبرص ولحق ببلاد آذربيجان وشرع فيها دين المجوسية، وقصد الناس على الدخول فيه وقتل في ذلك وعذّب حتّى دانوا به. وأتى زرادشت بالمعجزة الباهرة وأخبر عن الكائنات من الكليّات والجزئيات، وأتى بكتاب يدور على ستّين حرفا من المعجم، وهي لغة يعجز عن إيرادها ولا يدرك كنه مرادها. وكتب هذا الكتاب في اثني عشر ألف مجلّد بالذهب فيه وعد ووعيد، وأمر ونهي، وغير ذلك من العبادات، واسم هذا الكتاب بستاه، وأوّل سورة منه سورة حيرفت فيها ذكر مبتدأ الخليقة وأصول الطبائع وأمزاجها. وعمل له زرادشت تفسيرا سمّاه بازند وهو كتاب يعجز عن حفظه، وأكثر ما يحفظونه أسباعا إذا انتهى الحافظ للسبع ابتدأ الحافظ للسبع الثاني. وكانت نبوّة زرادشت فيهم خمسا وثلاثين سنة، وهلك وهو ابن سبع وسبعين سنة. وممّا تحمل الفرس عنه أن القديم تعالى طالت وحدته فطالت فكرته، فلمّا طالت فكرته اشتدّت وحشته، فلمّا اشتدّت وحشته تولّد الهرمند فصار مضادّا للنّور الأكبر- والهرمند هو الشيطان. وأن الله عزّ وجلّ لو كان قادرا على إفناء الهرمند لما ضرب له أجلا ولا أخّره أمدا يغوي عباده ويفسد بلاده. وهذا هو المحال عينه والناقص نفسه، تعالى الله عمّا يقول الظالمون والجاحدون علوّا كبيرا» . ولم تزل الفرس تتدارس نواميس هذا الكتاب جيلا فجيلا حتّى ظهر فيهم خاهشت الغلام، فشرح لهم تأويلا وأحدث لهم قرابين في مذاهبهم اعتمدوا عليها واتّخذوا بيوت النيران وقرّبوا لها القرابين ورتّبوا لها السدنة ووضعوا لها أيضا الهرابذة- أحدهم هربذ- وتأويله فقيه الدّين”. (المسالك والممالك للبكري/137)
غالبا ما تتضمن المؤلفات الفارسية القديمة والحديثة الإشارة الى مثالب العرب، وينعتوهم بصفات غريبة غالبها كذب وافتراء، مع هذا لا يوجد قوم قديما وحديثا لا توجد عندهم مثالب ومحاسن، والفرس تأريخهم أسود حالك من هذه الناحية. وعليهم ان يحمدوا الله أولا، والإسلام ثانيا، والخليفة الفاروق ثالثا الذي بدد عنهم ظلام المجوسية والزرادشتية.
من المعروف ان المجوس أضافوا لعبدة النار ثلاث مستجدات للزرادشتية وهي:
1. رمي الجثث في العراء كطعام للحيوانات.
2. الزواج من المحارم (الأسري). قال الفراهيدي” قال الشاعر:
يا قوم لا تأمنوا إن كُنْتُم غُيُراً … على نسائكم كِسرَى وما جَمَعا
(العين4/422). وقَالَ الشَّاعِر:
والفارسيةُ فيهم غيرُ مُنْكَرَةٍ … وَكلهمْ لِأَبِيهِ ضَيْزَنٌ سَلِف (جمهرة اللغة2/812).
3. توسيع نطاق الثنوية ودمجها بالحياة المادية.
4. تأليه الملوك. ذكر ابن حمدون” قال الجاحظ: المذكورون بالكبر من قريش: بنو مخزوم وبنو أمية، ومن العرب بنو جعفر بن كلاب وبنو زرارة بن عدس. وأما الأكاسرة فكانوا لا يعدّون الناس إلّا عبيدا، وأنفسهم إلّا أربابا”. (التذكرة الحمدونية3/108).

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here