بمناسبة اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية: العدالة في القرآن الكريم (ح 3)

الدكتور فاضل حسن شريف

تكملة للحلقة السابقة جاء في تفسير الميسر: قال الله تعالى عن كلمة عدل ومشتقاتها “وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ” ﴿الأنعام 70﴾ تعدل فعل، عدل اسم، تعدل كلّ عدل: تفتد بكلّ فداء. واترك -أيها الرسول- هؤلاء المشركين الذين جعلوا دين الإسلام لعبًا ولهوًا؛ مستهزئين بآيات الله تعالى، وغرَّتهم الحياة الدنيا بزينتها، وذكّر بالقرآن هؤلاء المشركين وغيرهم؛ كي لا ترتهن نفس بذنوبها وكفرها بربها، ليس لها غير الله ناصر ينصرها، فينقذها من عذابه، ولا شافع يشفع لها عنده، وإن تَفْتَدِ بأي فداء لا يُقْبَل منها. أولئك الذين ارتُهِنوا بذنوبهم، لهم في النار شراب شديد الحرارة وعذاب موجع؛ بسبب كفرهم بالله تعالى ورسوله محمَّد صلى الله عليه وسلم وبدين الإسلام. قوله جلت قدرته “فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا” ﴿الطلاق 2﴾ عدل اسم، وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ: أشهدوا على الطلاق والرجعة رجلين عدلين مسلمين. فإذا قاربت المطلقات نهاية عدتهن فراجعوهن مع حسن المعاشرة، والإنفاق عليهن، أو فارقوهن مع إيفاء حقهن، دون المضارَّة لهن، وأشهدوا على الرجعة أو المفارقة رجلين عدلين منكم، وأدُّوا- أيها الشهود- الشهادة خالصة لله لا لشيء آخر، ذلك الذي أمركم الله به يوعظ به مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر. ومن يخف الله فيعمل بما أمره به، ويجتنب ما نهاه عنه، يجعل له مخرجًا من كل ضيق، وييسِّر له أسباب الرزق من حيث لا يخطر على باله، ولا يكون في حسبانه. ومن يتوكل على الله فهو كافيه ما أهمَّه في جميع أموره. إن الله بالغ أمره، لا يفوته شيء، ولا يعجزه مطلوب، قد جعل الله لكل شيء أجلا ينتهي إليه، وتقديرًا لا يجاوزه.

تكملة للحلقتين السابقتين جاء في مجلة رسالة القلم عن العدالة الإجتماعية في القرآن الكريم للشيخ قصي الشيخ علي العريبي: العدالة قانون أساسي ودستور عملي للحياة إنّ محتوى الآية المباركة: “إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ” (النحل 90) له من قوّة التأثير ما جعل كثيراً من الناس يصبحون مسلمين على بينة من أمرهم، وهاهو عثمان بن مظعون أحد أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: كنتُ أسلمت استحياءً من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم لكثرة ما كان يعرض عليَّ الإسلام، ولم يقر الإسلام في قلبي، فكنت ذات يوم عنده حال تأمله، فشخص بصره نحو السماء كأنّه يستفهم شيئاً، فلما سُرِّي عنه سألته عن حاله فقال: نعم، بينما أنا أحدثك إذ رأيت جبرائيل في الهواء فأتاني بهذه الآية: “إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ” (النحل 90) وقرأها عليَّ إلى آخرها، فقّر الإسلام في قلبي، وأتيت عمّه أبا طالب فأخبرته فقال: يا آل قريش، اتبعوا محمّداًصلى الله عليه وآله وسلم ترشدوا، فإنّه لا يأمركم إلا بمكارم الأخلاق، وأتيت الوليد بن المغيرة وقرأت عليه هذه الآية فقال: إنْ كان محمد قاله فنعم ما قال، وإن قاله ربّه فنعم ما قال(5). ونقرأ في حديث آخر أنّ النبيصلى الله عليه وآله وسلم قرأ هذه الآية على الوليد بن المغيرة فقال: (يا إبن أخي أعد، فأعاد صلى الله عليه وآله وسلم فقال الوليد: إِنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإِنَّ أسفله لمغدق، وما هو قول البشر). وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (جماع التقوى في قوله تعالى: “إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ” (النحل 90). ونستفيد من هذه الأحاديث وأحاديث أُخرى أنّ الآية تعتبر دستور عمل إِسلامي عام، وتمثل أحد مواد القانون الأساسي للإسلام في كل زمان ومكان، حتى روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه كان يقرأ الآية المباركة قبل الانتهاء من خطبة الجمعة ثمّ يقول بعدها: (اللَّهمَّ اجعلنا ممن يذكر فتنفعه الذكرى). فإحياء هذين الأصلين، أي العدالة و الاحسان في الحياة الاجتماعية كفيل بأن يجعل الدنيا عامرة بالخير، وهادئة من كل اضطراب، وخالية من أي سوء وفساد. من هنا، يتضح لنا أن العدل سنة اجتماعية وواجب إلهي. أي: على كل واحد من أبناء المجتمع الإسلامي أن يكون عادلاً، يعطي كل شخص حقه القانوني، وليس الحفاظ على العدل مسؤولية الدولة فقط، لأن المجتمع الذي لا يشعر أبناؤه بضرورة تطبيق القانون واحترام حقوق الآخرين، لا يمكن للدولة فيه أنى كانت أن تجبره على ذلك. والحقيقة التي لا غبار عليها أن العدل لا يتنافى مع اختلاف الدرجات الذي تشير إليه الآية السابقة إذ قد تكون المساواة أقبح ظلم، فليس سواء الجاهل والعالم، الكسول والنشيط، المضحي بنفسه والجبان.. و.. و.. الخ. وبالرغم من حاجة المجتمع إلى قانون يحدد أبعاد العدالة، وحقوق الطبقات المختلفة، حسب مساعيهم وحاجاتهم وحاجة الناس إليهم، ومما يجعل للعدالة معانٍ مختلفة حسب القوانين والأعراف، إلا أن العدالة حق وواقع فطري لا يختلف البشر في خطوطه العريضة، وان اختلفوا في التفاصيل. ولكن قد يتعاسر الناس في تطبيق العدالة، فنحتاج إلى القضاء الذي لا يرضى عنه كل الخصماء، كما لا يطمئن الإنسان إلى نتائجه مائة بالمائة. ولذلك يأمر القرآن الكريم بالإحسان فهو ضرورة العدل، والذي يعني التنازل عن بعض الحقوق للآخرين.

تكملة للحلقتين السابقتين جاء في موقع الجزيرة عن العدالة من منظور القرآن الكريم للكاتب يحي عبدالله بن الجف: نص قانون العدالة: يوجّه القرآن رسالة للناس أجمعين، ويقدم نصوص العدالة بطريقة تجمع بين عالمية النص ومثاليته في وقت واحد؛ فيوجه الخطاب للحاكم والفرد في السياق نفسه، وهذا داود عليه السلام تخاطبه العدالة السماوية بحكم منصبه السلطاني: “يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ” (الزمر 26). ومن ذلك: “وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ” (الزمر:21). يتوجه خطاب العدالة وتحقيقها للنبي صلى الله عليه وسلم باعتبارها مصدر سلطة وتشريع لأمته: “فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ” (الشورى 15). في هذا المعرض تتجلى قيمة العدالة بين الناس باعتبارها قيمة مادية ومعنوية يمكن التوافق عليها والتصالح عليها وحولها، وهو ما توضحه الآية التالية في معارض الخصام والاقتتال بين الناس: “وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” (الحجرات 9)، وهنا يحس الإنسان القارئ لهذه الآية بأن العدالة قادرة على إخراج الناس من معاناتها وهي المنهج الذي يمكن أن يحقق من خلاله رجال العدالة إذا أقاموها أمنا واستقرارا للدول وشعوبها المنكوبة والمشردة، فالعدالة رافد تنمية واستقرار وغيابها بارقة للضياع والهزيمة وغير ذلك من المكاره الخرابية التي تحلّ بالأمم لحظة ضياعها، وهذه شواهد قد تحمل بعضا من المعاني نفسها: “وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ” (الرحمن 7-9). وفي ختام هذا المقال نترك القارئ مع نص العدالة هذا ليضعه في سياق اللحظة التاريخية التي يراه يتنزل فيها، “لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ” (الحديد 25). العدالة بين الناس معلم حضاري ضروري لا غنى عنه حسب ما توصلت إليه الدراسة بشكل واضح وجلي.

أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم (10/62/RES/A) بتاريخ 2007م، والمتضمن تسمية يوم 20 شباط من كل عام (اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية). جاء في الموسوعة الحرة عن العدالة الاجتماعية هي العدالة من حيث توزيع الثروة، والفرص، والامتيازات داخل المجتمع. في الحضارة الغربية وكذلك في الحضارات الآسيوية القديمة، غالبًا ما يشير مفهوم العدالة الاجتماعية إلى عملية ضمان قيام الأفراد بأدوارهم المجتمعية والحصول على ما يستحقونه من المجتمع. في حركات العدالة الاجتماعية الحالية، رُكز على كسر الحواجز للحراك الاجتماعي، وإنشاء شبكات الأمان، وتأمين العدالة الاقتصادية. تختص العدالة الاجتماعية بالحقوق والواجبات في مؤسسات المجتمع، ما يمكّن الناس من الحصول على الفوائد الأساسية والتعاون. وغالبًا ما تشمل المؤسسات على الضرائب، والتأمينات الاجتماعية، والصحة العامة، والمدارس الحكومية، والخدمات العامة، وقانون العمل، لضمان توزيع عادل للثروة، وتكافؤ الفرص. التفسيرات التي تربط العدالة بعلاقة متبادلة بالمجتمع تتأثر بالاختلافات في التقاليد الثقافية، التي يؤكد بعضها على المسؤولية الفردية تجاه المجتمع والبعض الآخر على التوازن بين الوصول إلى السلطة واستخدامها المسؤول. كما يُستشهد بالعدالة الاجتماعية اليوم أثناء إعادة تفسير الشخصيات التاريخية مثل بارتولومي دي لاس كاساس، في المناقشات الفلسفية حول الاختلافات بين البشر، وفي الجهود المبذولة من أجل المساواة بين الجنسين، ومع تأمين المساواة العرقية والاجتماعية، للدفاع عن العدالة للمهاجرين والسجناء، والبيئة، والمعاقين جسديًا وعقليًا. بينما يمكن العثور على مفاهيم العدالة الاجتماعية في المصادر الفلسفية الكلاسيكية والمسيحية، من أفلاطون وأرسطو إلى أغسطينوس من هيبون وتوما الأكويني، فمصطلح (العدالة الاجتماعية) وجد استخداماته المبكرة في أواخر القرن الثامن عشر رغم أنه كان من الناحية النظرية أو العملية غير واضح المعنى. وهكذا كان استخدام المصطلح في وقت مبكر خاضعًا لاتهامات التكرار، بالإضافة للتأنق البلاغي في أغلب الأحيان، ولكن ليس بالضرورة، فيما يتعلق بتضخيم وجهة نظر واحدة لعدالة توزيع الدخل. في صياغة و تعريف المصطلح في أطروحة علمية اجتماعية للقانون الطبيعي للويجي تاباريلي سي جي، في أربعينيات القرن التاسع عشر، أسس تاباري لمبدأ القانون الطبيعي الذي يتوافق مع المبدأ الإنجيلي للحب الأخوي – أي أن العدالة الاجتماعية تعكس الواجب المفروض على المرء تجاه الآخر في الوحدة المجردة المترابطة للشخص البشري في المجتمع. بعد ثورات عام 1848 انتشر هذا المصطلح بشكل عام من خلال كتابات أنطونيو روزميني سيرباتي. في الثورة الصناعية المتأخرة، بدأ علماء القانون الأمريكيون التقدميون في استخدام المصطلح أكثر، وخاصة لويس برانديز وروسكو باوند. ومنذ أوائل القرن العشرين، دُمجت بالقانون الدولي والمؤسسات الدولية. وأشارت ديباجة إنشاء منظمة العمل الدولية إلى أنه «لا يمكن إرساء سلام عالمي ودائم إلا إذا كان قائمًا على العدالة الاجتماعية». في وقت لاحق من القرن العشرين، أصبحت العدالة الاجتماعية محورية في فلسفة العقد الاجتماعي، في المقام الأول من قبل جون رولز في نظرية العدالة (1971). وفي عام 1993، يتناول إعلان وبرنامج عمل فيينا العدالة الاجتماعية باعتبارها غرضًا من أغراض التثقيف في مجال حقوق الإنسان.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here