قصة الوسيم نارسيسوس (نرجس)

عضيد جواد الخميسي

نارسيسوس أو نرجس ؛ هو شخصية من الأساطير اليونانية ، وقد كان وسيماً جداً لدرجة أنه وقع في حبّ صورته المنعكسة في بركة من الماء، وحتى الحورية الجميلة “إكو ـ أو الصدى” لم تستطع أن تغريه بالانشغال عن نفسه . ولا يزال اسم نارسيسوس أو نرجس حيّاً كالزهرة التي تحوّل إليها ، و تعبيراً عن أولئك المهووسون بمظهرهم .

ولد نارسيسوس في مدينة ثيسپيا التابعة لمقاطعة بيوتيا اليونانية ، وهو ابن سيفيسوس والحورية ليروپي . وقد حذّر الرائي تيريسياس والدته ذات يوم من أن إبنها سيعيش حياة طويلة طالما أنه “لا يعرف نفسه أبداً”. وعندما وصل إلى سنوات مراهقته ، لم يجد الشاب الوسيم أي صبية يمكنها أن تمسك بأوتار قلبه . لذا فهو قد ترك في أعقابه سلسلة طويلة من العذارى المفجوعات والقلوب المحطمة.

وذات يوم ، صادف نارسيسوس أن رأى انعكاس صورته في بركة من الماء ؛إلا أنه اكتشف أقصى درجات الحبّ غير المتبادل عندما وقع في حب نفسه. وبطبيعة الحال، لم تصل هذه العلاقة ذات الاتجاه الواحد إلى أي حد . كما لم يتمكن نارسيسوس من سحب نفسه بعيداً عن البركة، فاستسلم لليأس حتى مات أخيراً من الجوع و العطش . ورغماً من ذلك فهو قد ضمن الخلود عندما تحولت جثته إلى زهور حملت اسمه ( زهرة النرجس) فيما بعد .

تظهر نسخة أخرى من الأسطورة في مؤلفات الكاتب الروماني أوڤيد . وفي هذه القصة ، نارسيسوس شاب وسيم كما كان دائماً ولكنه يرفض بقسوة الارتباط مع إكو(الصدى). إلا أن الحورية الجميلة والحزينة قد تاهت وماتت ولم يبقى سوى صداها ليحكي لوعتها. وبعد ذلك يُقتل نارسيسوس كعقاب على جفائه. وفي نسخة أخرى عوقبت إكو من قبل الإلهة هيرا ؛ لأنها جعلتها مشتتة بالقصص بينما هربن عشيقات زوجها زيوس (حوريات الجبال) من جبل أوليمبپوس دون سابق إنذار. وهذا ما يفسر سبب تمكن إكو من تكرار ما قاله الآخرون لها فقط .

وموجز الحكاية ؛ كانت إكو تتجول في الغابة ذات يوم ؛ وقد صادفت الشاب نارسيسوس يصيد الغزلان . وبعد تبادل الحديث بينهما بعبارات متكررة من التوسل والاستجداء العاطفي؛ حاولت إكو احتضان نارسيسوس، لكنه رفضها وعاد إلى منزله. عندئذٍ شعرت إكو بالانكسار والخيبة ؛ فتلاشت بعيداً في الغابة حتى مات جسدها في النهاية وبقي صوتها فقط .

القصص الأخرى التي تختلف عن الأسطورة الأصلية تقول إن نارسيسوس (كما هو الحال في قصة إكو)، يلعب دور الرافض اللئيم للعاشقين . فقد كان أمينيوس أحد أشد المعجبين بالشاب حماساً ، لكن نارسيسوس بعث له سيفاً لينهي حياته به ، وهو ما فعله بالضبط !. وعند موته؛ لعن أمينيوس عواطفه غير المنضبطة ، وطلب من الآلهة أن تعاقبه. وقد استجابت أرتميس ( إلهة الصيد والعذرية والخصوبة) لطلبه ، وذلك عندما أرغمت نارسيسوس الوقوع في غرام صورته المعكوسة بشكل مأساوي .

على عكس الفنانين اليونانيين ، كانت النسخة الرومانية من نارسيسوس وإكو ممارسة شائعة جداً في الفنّ الروماني ، حيث شوهدت ما يقرب من خمسين لوحة جدارية في پومپي وحدها . كما أن فنّ عصر النهضة قد سلّط الضوء على شخصية نارسيسوس أيضاً. وأثبت موضوع القصة عن الضوء والانعكاس في أنه لا يقاوَم بالنسبة للفنّان “كاراڤاجيو”، الذي جسّد الأسطورة في لوحته الزيتية الشهيرة في القرن السادس عشر الميلادي .

وأخيراً، فإن نارسيسوس لا يزال اسمه حيّاً حتى يومنا هذا في التحليل النفسي؛ حيث يشير مفهوم النرجسية إلى اضطراب الشخصية المتمثلة في فرط الإعجاب بذاتها والإنشغال بمظهرها .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

روبرت گريفزـ الأساطير اليونانية ـ پينگوين للنشر ـ 2011 .

أستير آيدينو ـ قاموس أكسفورد الكلاسيكي ـ طباعة جامعة أوكسفورد ـ 2012 .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here