اشارات الشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر عن القرآن الكريم من سورة القصص (ح 144)

الدكتور فاضل حسن شريف

جاء في منتدى جامع الائمة في خطب الجمعة للسيد محمد محمد صادق الصدر قدس سره: الامر الاخر الذي اريد الاشارة اليه: اننا جربنا جيلا بعد جيل وخاصة في هذه القرون المتأخرة ان المرجعية، ان الانسان يصفه مرجع ليس بسبب اصله وانما بيد الله سبحانه وتعالى والاسباب تمشي بمشيئة الله لكن مع ذلك الله تعالى هو العماد في ذلك “إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ” (القصص 56). انما تتعين المرجعية بمشيئة الله سبحانه وتعالى وهذا موجود في السابق واللاحق وليس لأحد التحكم فيه اطلاقا. النقطة التي أود الاشارة اليها: ان للمرجعية أسلوبان معروفان الآن تقريبا من الواضحات المعلنة وانا اشرت اليها في بعض الخطب السابقة. استطيع ان اسمي أحدهما أسلوب السكوت والانعزال والآخر أسلوب النشاط والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لماذا جماعة من المراجع ومن الناس ومن تابعي المراجع اتخذوا أسلوب السكوت؟ لا يوجد اي شيء الا الحفاظ على حياتهم. هل أفاد الساكتين سكوتهم ما افادهم. الموت مما لا بد منه سبحان الله.. من لم يمت بالسيف مات بغيره كما يقول الشاعر. فمن هذه الناحية الانسان يقصر فيما يمكنه من أداء وظيفته الشرعية ؟ في سبيل الحفاظ على حياتي ؟ امام الله انت مسؤول لا يمكن التجاوز عن ذلك. النقطة الاخرى التي اود الاشارة اليها: تقريبا بل تحقيقا اريد ان اخاطب مقلدي الشيخ الغروي قدس سره. يقول المثل لا ينبغي أن يلدغ المؤمن من جحر مرتين، كثير من التقليد كان بغير حجة شرعية كان بحجة شرعية ناقصة، كان بهوى نفسي كان لمنفعة دنيوية، لا ينبغي أن تتكرر هذه المأساة مرة ثانية. طبعا البقاء على تقليد الميت بدون اجازة الحي غير مجزي فحينئذ حذار أن يكون تقليدكم الجديد بدون حجة شرعية. التقليد دين الانسان كانما تصح به العبادات والمعاملات وينجو به الإنسان في يوم القيامة. اتقوا الله حق تقاته وقوموا تقليدكم لا يغرنكم الغرور. فمن هذه الناحية لا ينبغي أن يلدغ المؤمن من جحر مرتين أو عشر مرات. مع العلم انه لم يخلق للدنيا وإنما خلق للاخرة.

جاء في كتاب فقه الاخلاق للسيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر قدس سره: العُجْب: وفيه عدَّة احتمالات، أوضحها أربعة: أولاً: الله سبحانه وتعالى. فإنَّ بعض درجات العجب قد تحصل حتى تجاهه، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. ثانياً: المعصومون والأولياء. ثالثاً: مشاهير أهل الدنيا أو البارزون فيهم، لصفة من الصفات، فيدعي الفرد أنه خيرٌ منهم بتلك الصفة أو بكلِّ صفة. رابعاً: أراذل الناس دنيوياً تارةً وأخروياً أخرى. إذ يرى الغنيُّ أنه خيرٌ من أراذل الدنيا بطبيعة الحال. ويرى العابد أنه خيرٌ من أراذل الآخرة، أعني الفساق والفجار وأضرابَهم. فإذا تمت لدينا هذه الإنقسامات الثلاثة، أصبحت لنا أقسام العجب ستةً وثلاثين، ناتجةً من ضرب الأقسام بعضها ببعض 3×3×4=36. ونحن هنا لا يسعنا أن نتحدث عن الأقسام كلِّها، لما فيها من طول الحديث، وفيها ما يصعب استيعابه على القارئ العادي، بل نوكله إلى القارئ اللبيب، وإنما نذكر فقط فيما يلي بعض نماذجه، وقد يتضح الرأي في أكثر الباقي من الحديث حول ذلك. الأنموذج الأول: المتمول الذي يزهو على الآخرين بثروته فهذا يكون مشمولاً لقوله تعالى: “إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي” (القصص 78)، وإنما هو رزقٌ أتاه من الله عزَّ وجل، إن كان مالاً حلالاً. الأنموذج الثاني: العالم الذي يزهو على الآخرين بعلمه، فيكون مشمولاً لقوله: العلم نورٌ يقذفه الله في قلب من يشاء. إذن فالعلم أياً كان فهو من هبات الله عزَّ وجلَّ بحسن التوفيق، ولم يكن الفرد بأيِّ حالٍ مستقلاً فيه. الأنموذج الثالث: المتعبد الذي يزهو على الآخر بعبادته. والعبادة إنما تكون بتوفيق الله عزَّ وجل. على أنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يُعبد حقَّ عبادته، ولا يجوز للمتعبد أن يخرج عن حدِّ التقصير والشعور بالتضاؤل أمام حقِّ طاعة الله وعظمته، كما نصَّت على ذلك الأخبار. الأنموذج الرابع: الشريف الذي يزهو على الآخرين بنسبه، مضافاً إلى قول النبي كلُّ سببٍ ونسبٍ ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي. الأنموذج الخامس: المتسلط الذي يزهو على الناس بسلطته.

جاء في منتدى جامع الأئمة في خطب الجمعة للسيد محمد محمد صادق الصدر قدس سره: أننا قلنا في فقه الاخلاق ان ما هو المؤثر اكثر والمنتج اكثر في طريق التربية والتكامل الإلهي والايماني سواء على المستوى الفردي والاجتماعي هو الحزن وليس الفرح لان الحزن عاطفة قوية تحمل الفرد على الحماس والهمة باتجاهها وتطبيق مقتضياتها. ومن هنا قلنا ان الشرع الاسلامي اختار لنا الحزن للتربية العامة والخاصة وليس الفرح ومن هنا ورد وهو بيت منسوب إلى أحد المعصومين سلام الله عليهم ربما امير المؤمنين: يفرح هذا الورى بعيدهم ونحن اعيادنا مآتمنا اي هي موارد احزاننا ومصائبنا. لما نرى في انفسنا من النقص والقصور والتقصير ولما نرى في المجتمع من عيوب ومآثم فإنه إذا التفت الفرد إلى نقصه كان في طريق سده وتكميله إذا التفت الفرد الى نقص غيره كان بصدد ردعه ونهيه إذا كان يشعر بالمسؤولية. وعلى اي حال فبعد ان عرفنا ان الفرح والحزن ينقسم الى ما هو دنيوي والى ما هو أخروي ينبغي ان نلتفت هنا إلى أن ما قلناه من كون الحزن اقوى سببا للتربية والتكامل من الفرح إنما تريد به الشريعة المقدسة الفرح والحزن الاخرويين، فيكون الحزن الأخروي بأسبابه اقوى بالتربية من الفرح الأخروي. وهذا معناه ان الاولى للفرد ان يلتفت الى ذنوبه ونقصه اكثر من مما يلتفت الى طاعاته والى مركزه الديني وأهميته الاجتماعية فإن الالتفات الى ذلك يحدث في النفس الامارة الغرور والعجب والرياء والعظمة الزائفة وهذا اكيد ومجرب بالملايين. في حين ان الالتفات الى النقص والقصور الموجودين على كل حال وفي كل فرد فالكمال لله وحده، فإن هذا الالتفات الى النقص يحدث في النفس التواضع والخشوع والتذلل أمام الله تعالى ورجاء عفوه ولطفه وهو المطلوب دائما وليس العجب والرياء والغرور والعظمة الزائفة بطبيعة الحال. فالأفضل للفرد أن يحزن ويندم دائما لعدم حصوله على الكمال اللائق به لا ان يفرح بما جاء به من الطاعات فإن الطاعات مهما كثرت فأنها قليلة بل معدومة تجاه المعبود اللانهائي القدرة واللانهائي الوجود والتي نعمه لا تحصى ولا تجازى وهو المبتدئ بالنعم قبل استحقاقها والله تعالى لا يطاع حق طاعته ولا يشكر حق شكره ولا يذكر حق ذكره ومن هنا ورد: (انظر في الاخرة لمن هو فوقك وانظر في الدنيا لمن هو دونك) لأن الفرد اذا نظر في الاخرة لمن هو فوقه رغب فيه وعمل له وذلك هو العمل برضاء الله سبحانه فيكون العمل في ذلك عمل لله وفيه رضاء الله سبحانه وتعالى. وإذا نظر في الدنيا لمن هو دونه أي الاكثر فقرا او مرضا او ذلة وهكذا حمد الله سبحانه على ما أنعم به عليه من النعم حيث لم يجعله مثل ذلك الفرد في القصور والنقصان ونفس هذه الفكرة يمكن تطبيقها على كلا المستويين الدنيوي والاخروي معا. فاذا نظر الفرد الى من هو فوقه في الآخرة او افضل منه عند الله رغبهم في مقامهم وكمالهم وعمل للوصول إليه وهو المطلوب أي عند الله سبحانه وتعالى مطلوب اكيدا. واذا نظر الى من هو دونه في الاخرة حمد الله سبحانه على نعمة الطاعة وما تفضل به عليه من المواهب والمراحم وما حجبه عنه من الذنوب والعيوب التي تورط بها الآخرون. واذا نظر الفرد الى من فوقه في الدنيا وهو الاكثر مالا وولدا والاعز عشيرة ونحو ذلك فاذا كان مؤمنا لم يتمنها لنفسه بل تمنى عدمها لما فيها من المسؤولية امام الله سبحانه والتورط في جهات كثيرة هو في غنى عنها كما قال تعالى: “لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا” (القصص 83) واذا نظر الفرد الى من هو دونه في الدنيا افقر منه او امرض منه مثلا حمد الله سبحانه على نعمته الدنيوية كنعم تفتح له فرص الطاعة والثواب وليس كاسباب للشهوات والملذات.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here