قف إنه الموت

نزار جاف

أثناء الحرب الايرانية ـ العراقية والتي فرضها الخميني عنوة على العراق من خلال الاجواء التي هيئها من أجل التدخل في الشأن الداخلي العراقي، في تلك الحرب التي شارکت فيها وقبل وقوعي في الاسر، تسنى لي ومن دون شك وأيضا للکثيرين من الذين شارکوا فيها، مشاهدة مناظر في غاية الفظاعة والدموية البالغة، وهي مشاهد لم تفارق ذاکرتي لحد الان ولازالت تراودني ککوابيس في أحلامي، في هذه الحرب وفي جبهة المواجهة التي کنت فيها بالقرب من مدينة”الخفاجية” أو”سوسنکرد”کما في إيران، حيث کنا نرابط على نهر الکرخة، عشت الموت لثوان.
وقد يستغرب البعض قولي “عشت الموت”، ذلك إنهما نقيضان، ولکن ذلك ماقد حدث تحديدا، إذ في يوم 27 يوليو تموز1981، عندما تعرضنا لهجوم إيراني أجبر وحدتنا العسکرية على التراجع والانسحاب من جراء ذلك، فحدث هرج ومرج کما هو متوقع من أي إنسحاب عبثي غير متسم بالانضباط، فبدأ أفراد وحدتنا والوحدات التي کانت على ميمتنا وميسرتنا بترك موقعهم والانسحاب الى المواقع الخلفية لقطعات الجيش العراقي، وخلفنا وبعد ترکنا لمواقعنا على نهر”الکرخة”، لم تکن إلا أرض جرداء قاحلة وکانت درجة الحرارة تقارب ال50 درجة مئوية، يومها کان القصف المدفعي الايراني والانفلاقات الجوية من جراء تفجير القنابل والصواريخ فوق رٶوسنا ونحن ننسحب إضافة لرشقات الBKC والدوشکا وغيرها تنهال علينا من کل جانب، تسنى لي رٶية أفظع مشهد دموي في حياتي کلها عندما رأيت جندي يرکض أمامي على بعد بضعة أمتار وفجأة أصابته شظية صاروخ فصلت رأسه عن جسده ولکنه ظل يرکض لمسافة قصيرة نسبيا ومن دون رأس ومن ثم سقط أرضا!
برغم الظمأ الشديد الذي کنت أعاني منه ولکن خوفا ورهبة من الموت الذي کان يخيم علينا وکنا في إنتظاره کل لحظة خصوصا وإن الجنود کانوا يتساقطون هنا وهناك، فإنني کنت لاأکترث للظمأ الشديد وأواصل الرکض بکل مافي وسعي، وکان هناك جندي من وحدتي يرکض الى جنبي وأشار علي بأن نذهب الى إحدى مواضع الدبابات الخالية ونحتمي بساتره من هذا الجحيم الذي يطبق علينا من کل جانب، وماأن دخلنا الموضع حتى ضربت قنبلة داخل الموضع ووجدت نفسي مرتفعا في الهواء وفي تلك اللحظات التي لم أشعر کم إستغرقت تحديدا، شاهدت بأم عيني حياتي کلها من البداية الى تلك اللحظة وکأنه شريط سينمائي!
عندما وقعت على ساتر الدبابة، ظننت أنني قد مت! ولکن ماأن سمعت الجندي الذي کان يرافقني وهو يناديني: هل أنت بخير؟ هل تسمعني؟ فأجبته وأنا لازلت أتصور بأنني ميت ولکنه جاء مسرعا ولامس جسدي بسرعة وهو يقول؛ لاتخف مجرد جروح سطحية بسيطة ولن تموت، والحق شعرت في تلك اللحظة بأنه يشجعني لأقاوم الموت الذي شعرت بعد أن عشته، بأنني ملاقيه!
والحق، في ذلك اليوم الرهيب الذي لن أنساه ماحييت، عشت الموت للحظات وأنا طائر في السماء حيث شعرت بأن جسدي کقشة وإنني أغادر الحياة الى غير رجعة، ولکن تلك اللحظات هيمنت ولازالت تهيمن على تفکيري ودائما ماأجد نفسي أقول إن مواجهة الموت غير التحدث عنه ومهما سعى المرء لوصف الموت فإنه لن ولايکون أبدا کما وهو يعيشه!

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here