أشياء من هذا القبيل : برقية اعتذار عن عدم حضوري لمراسم دفني !

أشياء من هذا القبيل : برقية اعتذار عن عدم حضوري لمراسم دفني !

بقلم مهدي قاسم

السادة الحضور من المعزين الكرام الذين سيحضرون غدا مراسم دفني في المقبرة العامة :

بداية أود أن أعبر لكم عن جزيل شكري وتقديري لمشاعركم الطيبة والنبيلة نحوي ، من ناحية تحملكم عناء المجيء لحضور مراسم دفن جثماني في هذا الجو العاصف المتهجم الماطر الكئيب الثقيل جدا على النفس و المتعكر للمزاج ..

أما أنا …
فللأسف الشديد لن أستطيع الحضور مراسم دفني بحكم تعلقي المُدمن بالنوم الصباحي حتى منتصف النهار ، حيث أبدو بسبب نومي العميق هذا ، كأنني مخدّر تماما ، بحيث لا حول عندي ولا قوة ، ولا حيلة إزاء هذا الشلل النفسي الطاغي المستسلم الناعس للذة النوم والأحلام الجميلة المتعاقبة كأفلام ملونة ممتعة ، و الذي يتلبّسني أثناء نومي العميق ويجعلني كما لو كنتُ عبارة عن قطعة خشب يابسة عتيقة ، في شبه غيبوبة عميقة ، حتى نهوضي التأخر المتكاسل ، بتنبيه من ساعتي البيولوجية ذاتها .
فضلا عن أن وجودي في المقابر يجعلني مسكونا بهاجس القلق و الاضطراب النفسي المريع مصحوبا بالتوجس والهلوسات الخيالية الرهيبة ولأيام طويلة ، في الوقت نفسه يجعل مسامات روحي مشبّعة برائحة الموت و مكتظة بزحمة الموتى الكرام ، متخيلا ضراوة الإرهاق الناتجة عن معانقتهم ومصافحتهم واحدا ، واحدا ، فأحتاج ، فيما بعد ، إلى أيام طويلة لتكون مسامات روحي قد تحررت من آثار ورائحة الموت بشكل نهائي ، لترجع حياتي إلى مسارها الطبيعي السابق ، باذلا جهدي بقوة لاستعادة شغفي القديم بالحياة عيشا هادئا وسويا مرحا ..
فأنا أحب الحياة و أعشقها وعندي وسائلي الخاصة ــ لاستمتع بها جسديا وروحيا ــ حتى اللحظة الأخيرة..

كما اعلم انه لأمر مثير للغرابة بالنسبة لكم أن لا يحضر المرء شخصيا مراسم دفنه ، وبدلا من ذلك يبعث برقية تنصل وتملص ـــ أو على الأقل ربما على هذا النحو يفكر البعض ــ ولكن الأمر ليس هكذا تماما ، ولا سيما عندما تكون عندي للأمور أولوياتها وأهميتها التراتبية حسب الضرورة القصوى ، أو بتعبير أوضح :
عندي مسألة النوم حتى ما قبل الظهر أمر لا مناص منه ، و لا يمكنني الإفراط به قطعا ، لأنه. هو الذي يحدد ، فيما بعد ، باقي مسار أو ساعات يومي ، فيما إذا كنتُ سأكون ناعسا ، كسولا ، منهكا ، و متثائبا طوال اليوم ، أم حيويا ، منطلقا ، بكل شغف ونشاط ، ساعيا إلى الاستمتاع ببقايا اليومي قدر الإمكان وبكل امتلاء ..
بالطبع .. و……………
كتحصيل حاصل : سوف أتفهّم قرار أي واحد منكم تماما ، و بدون أية تأويلات أو تخمينات سيئة ، أقصد لو لم يحضر هو أيضا مراسم دفني بل أعده موقفا عاديا جدا ، لعلمي الجيد إن عدم حضور بعض منكم لن يقلل من قيمتي عندكم ، فضلا عن أنكم أناس بالغين وأصحاب خبرة و عمل وهموم ، وبالتالي لستم بحاجة إلى من يوجهّكم أو يعلمكم ما هو الجيد أم اللائق ..

إذ إن كل واحد منا يوّد و يقدّر الآخر ، طبعا ، كل على طريقته الخاصة ، وبالتالي لا داع لمشاعر الإحراج في مثل هكذا أمور ، ولا إلى إثارة شعور بالذنب أو شيء من هذا القبيل ..
ففي النهاية نحن نعرف كيف نميز بين مظاهر شكلية ، أو استعراضية ، وبين مواقف أساسية وجوهرية للأمور ..
فمشاعر التقدير والمودة أو المحبة ــ أن وجُدت ــ تكمن في القلب وليست معروضة على الرصيف للفرجة أو التباهي..
أخيرا ……………………
تحية تقدير ومودة واحترام
صديقكم الراحل ومغدور زمانه ثائر البركان ..

ملاحظة مهمة تالية يُرجى أخذها بنظر الاعتبار : أصّر على أن تكون الرسائل و الاتصالات بيَّ و التي تعد حتمية و لابد منها ، فيجب أن تُجرى في ساعات ما بعد الظهر وحتى المساء المتأخر..

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here