رعاية كبار السن صحيا ونفسيا يحظى باهتمام المعهد الطبي التقني / بغداد

باسل عباس خضير

أعلنت وزارة التخطيط العراقية ، أن عدد سكان العراق قدر بنهاية العام الماضي ( 2023 ) بـ 43 مليونا و324 ألف نسمة ، وأشار المتحدث باسم التخطيط ( عبد الزهرة الهنداوي ) ، في بيان أصدره في (8 كانون الثاني 2024) إلى أن “نسبة السكان بعمر أقل من 15 سنة بلغت 41% من مجموع السكان ، بينما كانت نسبة السكان للفئة العمرية 15-64 سنة 57% ، في حين بلغت نسبة السكان بعمر 65 سنة فأكثر 3% “، والأرقام والنسب من هذا النوع تثير اهتمام الجامعات ومنها الجامعة التقنية الوسطى انسجاما مع شعارها الجامعة للمجتمع وفي دورها في إدامة العلاقة التبادلية بين الجامعة و مكونات البيئة للبلاد ، وقد بادر المعهد الطبي التقني/ بغداد ( احد تشكيلات الجامعة التقنية الوسطى ) لعقد دورة علمية بعنوان ((رعاية كبار السن صحيا ونفسيا )) للمدة 18 – 22 شباط 2024 ، وتم إعدادها من قبل قسم تقنيات صحة المجتمع ، وتمت الاستعانة بنخب متميزة من الملاكات التدريسية في الجامعة التقنية الوسطى لتنفيذها بمحاضرات ومناقشات ودراسة الحالات وبمشاركة (60) متدرباً من التدريسيين والمدربين التقنيين ، وهدفت الدورة لإعطاء نبذة تاريخية عن المسنين وطرق الاهتمام بهم ، والتعرف على كيفية تقديم الدعم النفسي لكبار السن ، ونوعية الخدمات الصحية التي يحتاجها الإنسان بهذه الاعمار وواقع الحال في مؤسسات وزارة الصحة ، فضلا عن تحديد التثقيف الصحي المؤثر و الداعم للمسنين وذويهم سواء ما يتعلق بأهمية ووجوب إخضاعهم للفحص الدوري او لتغطية الاحتياجات النفسية والاجتماعية لهم ، وفي مستهل افتتاح الدورة قال الأستاذ الدكتور لطيف عيسى علوان ( عميد المعهد الطبي التقني ) ” إن كبار السن شريحة مهمة في المجتمع ومن باب الشرع والإنسانية والمروءة تقديم ما يستحقونه من الاهتمام من حيث زيادة الوعي حول كيفية الاهتمام بهم ورعايتهم نفسيا وصحيا وإيجاد عدة منافذ للدعم والإسناد ومنها شمولهم بتقديم خدمات صحية ذات جودة معدة لكبار السن في المراكز الصحية والمستشفيات ، كما لا بد من تسليط الضوء على فوائد الاهتمام بهم و زيادة وعي الجميع حول هذا الموضوع الذي يحتوي على عدة أبعاد ” .
واحتوت الدورة أربعة محاور ، تطرق المحور الأول إلى البعد التاريخي والإنساني للاهتمام بهذا الموضوع ، فيما تناول المحور الثاني الجانب النفسي ودوره في إسناد هذه الفئات ، وتطرق المحور الثالث إلى فلسفة ومضمون الرعاية الطبية والصحية التي يجب إن تترجم لخدمات تتم إتاحتها من حيث الزمان والمكان والمستوى لكبار السن ، وخصص المحور الرابع إلى الجوانب الاجتماعية والقانونية التي ألزمت الجهات المعنية والمجتمع والأفراد في رعاية كبار السن في ظل وجود مواد صريحة نصت على ذلك الشرائع السماوية والتي أدرجت بعضها في دستور العراق لعام 2005 ، وتمت تغطية المحور الأول من قبل ( م.د. وميض سرحان ذياب ) من معهد الإدارة الرصافة وكانت محاضرته ذات طابعا تاريخيا في كيفية رعاية المسنين عبر العصور التاريخية وأهمية رعاية كبار السن في الحضارة العراقية فضلا عن أهم التشريعات الواردة في الكتب المقدسة في العهدين القديم والجديد و ما ورد في القرآن الكريم من آيات تحث على رعاية كبار السن كونها من واجبات المسلمين ، وتطرقت ( أ.م.د. رسل صباح غزال ) معاون عميد المعهد للشؤون العلمية والطلبة في محاضرتها ضمن المحور الثاني لمعلومات صحية مهمة للمسنين بعد عمر ال65 عاما و التأكيد على ضرورة إجراء الفحوصات الدورية لضمان وقايتهم ومعالجتهم بشكل مبكر لتفادي تفاقم المشكلات الصحية وتقديم الرعاية الصحية المناسبة والكافية ، فيما كانت محاضرة ( أ.د. عبد السلام نعمة جنزيل ) الخبير والتدريسي بالمعهد بعنوان ( الإطار القانوني والاجتماعي لرعاية كبار السن في العراق ) حيث أوضح فيها إن الرعاية الاجتماعية هي من الحقوق الأساسية للمسنين في العراق التي كفلها الدستور والقوانين والأنظمة النافذة كقانون الحماية الاجتماعية رقم 11 لسنة 2014 ونظام دور رعاية المسنين رقم 4 لسنة 1985 ، والتي تهدف إلى تحقيق جميعا لتأدية واجب الدولة والمجتمع تجاه كبار السن عن طريق تقديم الخدمات الطبية والنفسية والاجتماعية لتمكينهم من التغلب على الآثار والمشاكل التي قد تنشأ عن النقص أو القصور في وظائف قدراتهم البدنية او الحسية او الذهنية ، والتي تؤثر سلبا على توافقهم النفسي والاجتماعي ، وتطرق ( م.م. سعد أنور بطرس ) من رئاسة الجامعة التقنية الوسطى في محاضرته إلى مفهوم كبار السن من وجهة نظر نفسية وطرح التعريف من رؤية الباحثين النفسيين وتقسيمات المفهوم من وجهة منظمة الصحة العالمية WHO ، ثم تطرق الى الأعراض والمشكلات النفسية التي تظهر لدى كبار السن و طرح حزمة من الأساليب النفسية التي ترعى وتهتم بكبار السن ، وتضمنت محاضرة ( م.م. تبارك أياد نوري) مديرة الدورة إلى الجوانب الصحية وابرز الأمراض التي تصيب المسنين بشكل كبير بعد تجازوهم سن ال65 عاما ، كما قدمت عرضا عن واقع الخدمات الصحية والتسهيلات المقدمة لكبار السن في مراكز الرعاية الصحية الأولية والمستشفيات .
وتم إثراء الدورة بمناقشات ومداخلات المشاركين حول الطروحات التي تمت تغطيتها من قبل المحاضرين ، وفي أجواء علمية وتفاعلية اتجاه الموضوع اتسمت بالجدية والمسؤولية المهنية تم الخروج بمجموعة من الاستنتاجات والتوصيات المفيدة ، ومن أبرزها إيجاد الوسائل الكفيلة لتمكين الأجهزة المعنية والمجتمع والأفراد لرفع نسبة كبار السن من عمر 65 فما فوق في البلاد ، كونها متدنية عند مقارنتها ببعض البلدان فالنسبة عندنا لا تتجاوز 3% في حين إنها تبلغ 7.9٪ في بعض البلدان ، ووجوب تحديد العوامل والظروف التي تزيد من متوسط العمر في العراق لتكون مواكبة للمعدلات العالمية فحسب دراسة أعدها البنك الدولي كشفت إن معدل عمر الإنسان العراقي يتراوح بين 69 – 73 عاما ، وعلى وفق تلك الدراسة فان العمر المتوقع بالنسبة للذكور من العراقيين عند الميلاد هو 69 عاما فيما يبلغ العمر المتوقع للإناث عند الميلاد 73 عاما ، وان معدل الوفيات من البالغين الذكور في العراق يبلغ 184 من بين 1000 ذكر بالغ ، فيما يبلغ معدل الوفيات من البالغات من الإناث 128 أنثى لكل 1000 أنثى بالغة ، وعلى المستوى العالمي فان التقديرات تشير إلى إن متوسط العمر المتوقع عند الميلاد 71 سنة للذكور مقابل 76 سنة للإناث وفى الدول الأكثر تقدماً 77 سنة للذكور مقابل 83 سنة للإناث وفي الدول الأقل تقدماً 70 سنة للذكور مقابل 74 سنة للإناث ، وفى الدول العربية يبلغ المتوسط 69 سنة للذكور مقابل 74 سنة للإناث مما يعني إن معدل عمر العراقي مقاربا للمستويات العربية واقل من المستويات العالمية ، وخرجت الدورة بمجموعة مهمة من التوصيات أبرزها ( الاهتمام بصحة المسنين وتقديم الرعاية والدعم النفسي الكامل لهم ولاسيما المتواجدين في دور رعاية المسنين ، ضرورة تشجيع كبار السن على إجراء الفحوصات الدورية المناسبة لضمان الكشف المبكر للأمراض ومعالجتها لتفادي المضاعفات الخطيرة ، ضرورة الالتزام بنمط حياة صحي في مرحلة مبكرة من العمر لضمان السلامة من الأمراض الخطيرة عند تقدم العمر ) .
وفي الوقت التي نبارك فيه ايلاء موضوع كبار السن ضمن أولويات و اهتمامات الجامعات ونخص بالذكر الجامعة التقنية الوسطى ممثلة بالمعهد الطبي التقني (بغداد) ، نتمنى أن ينعكس هذا الاهتمام على الواقع الفعلي ضمن واجبات الأجهزة المعنية في الدولة، فما يمكن استنتاجه مما دار في الدورة من عرض ومناقشات يؤشر الحاجة إلى مجموعة من القرارات التي يجب أن تهتم الدولة باتخاذها وضمان عدالة وكفاءة تنفيذها ، وفي مقدمتها توفير الدعم المادي لكبار السن لتغطية احتياجاتهم وعوائلهم سواء من خلال منحهم رواتب تقاعدية مجزية لمن تتوفر فيهم شروط التقاعد المدني او العسكري او من خلال شبكة الحماية الاجتماعية التي تتطلب منح استثناءات لهذه الاعمار بخصوص مقدار الإعانات ، وضرورة تسهيل قبول عضويتهم في النوادي الاجتماعية والترفيهية وإعفائهم من رسوم الاشتراكات والإجراءات البيروقراطية في الانتساب وتجديد العضوية ، وشمولهم بالخدمات الصحية اللازمة والمجانية في مستويات الرعاية الصحية كافة سواء في المؤسسات الصحية الحكومية او في العيادات الطبية الشعبية او في دور التمريض الخاص مع الاهتمام بتوفير الأدوية والعلاجات الكافية لهم دون عناء ، وقيام نقابة الأطباء بإقرار توصيات تتضمن تقديم تسهيلات لهم عند مراجعتهم القطاع الطبي الأهلي ، والإيعاز لدوائر الدولة كافة بإعطاء الأسبقية في تقديم الخدمات لكبار السن بمختلف المجالات والعمل على تخفيض او إلغاء أجور خدمات النقل البري والجوي والبحري لهم عند سفرهم لأغراض العلاج او للراحة والاستجمام ، والاهم من ذلك هو قيام المرجعيات والمؤسسات الدينية بإشاعة ثقافة الالتزام الكامل بمسالة بر الوالدين ، ويمكن للجهات القضائية الإسهام بهذا الموضوع من خلال اعتبار أي تصرف يصيب هذه الاعمار بالسوء والضرر عمدا او من الإهمال واللامبالاة ظرفا مشددا لكونه يتعارض مع التوجه السماوي والوضعي في الحفاظ على إنسانيتهم ، كما إن واجب واجهات الإعلام والتثقيف والإرشاد الدعوة لكي تكون للأفراد والمؤسسات والمجتمع أدوارا ايجابية ومبادرات وإبداعات في رعاية وبلوغ هذه الفئة العمرية ، باعتبار وجودهم من نعم الله فهم الآباء والأمهات والأجداد وقد افنوا سنوات عمرهم لتتوارث الأجيال .
ملاحظة : تمت الاستعانة بالسيدة إسراء الطائي مسؤولة إعلام المعهد لرفدنا ببعض التفاصيل حول الدورة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here