بمناسبة اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية: العدالة في القرآن الكريم (ح 7)

الدكتور فاضل حسن شريف

تكملة للحلقات السابقة جاء في تفسير الميسر: قال الله تعالى عن كلمة عدل ومشتقاتها “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا” ﴿النساء 58﴾ بِالْعَدْلِ: بِ حرف جر، الْ اداة تعريف، عَدْلِ اسم. إن الله تعالى يأمركم بأداء مختلف الأمانات، التي اؤتمنتم عليها إلى أصحابها، فلا تفرطوا فيها، ويأمركم بالقضاء بين الناس بالعدل والقسط، إذا قضيتم بينهم، ونِعْمَ ما يعظكم الله به ويهديكم إليه. إن الله تعالى كان سميعًا لأقوالكم، مُطَّلعًا على سائر أعمالكم، بصيرًا بها.. قوله عز وجل “وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا” ﴿النساء 129﴾ أن تعدِلوا: في المحبّة و ميل القلب و المُؤانسة. ولن تقدروا أيها الرجال على تحقيق العدل التام بين النساء في المحبة وميل القلب، مهما بذلتم في ذلك من الجهد، فلا تعرضوا عن المرغوب عنها كل الإعراض، فتتركوها كالمرأة التي ليست بذات زوج ولا هي مطلقة فتأثموا. وإن تصلحوا أعمالكم فتعدلوا في قَسْمكم بين زوجاتكم، وتراقبوا الله تعالى وتخشوه فيهن، فإن الله تعالى كان غفورًا لعباده، رحيمًا بهم. قوله سبحانه “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا” ﴿النساء 135﴾ فَلا تَتَّبِعوا الهوى أنْ تَعْدِلوا: لا يحملنكم الهوى على ترك العدل. يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، كونوا قائمين بالعدل، مؤدين للشهادة لوجه الله تعالى، ولو كانت على أنفسكم، أو على آبائكم وأمهاتكم، أو على أقاربكم، مهما كان شأن المشهود عليه غنيًّا أو فقيرًا؛ فإن الله تعالى أولى بهما منكم، وأعلم بما فيه صلاحهما، فلا يحملنَّكم الهوى والتعصب على ترك العدل، وإن تحرفوا الشهادة بألسنتكم فتأتوا بها على غير حقيقتها، أو تعرضوا عنها بترك أدائها أو بكتمانها، فإن الله تعالى كان عليمًا بدقائق أعمالكم، وسيجازيكم بها. قوله جل وعلا “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ” ﴿المائدة 8﴾ يا أيها الذين آمَنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم كونوا قوَّامين بالحق، ابتغاء وجه الله، شُهداء بالعدل، ولا يحملنكم بُغْضُ قوم على ألا تعدلوا، اعدِلوا بين الأعداء والأحباب على درجة سواء، فذلك العدل أقرب لخشية الله، واحذروا أن تجوروا. إن الله خبير بما تعملون، وسيجازيكم به.

تكملة للحلقات السابقة جاء في مجلة رسالة القلم عن العدالة الإجتماعية في القرآن الكريم للشيخ قصي الشيخ علي العريبي: خسران الإنسان للميزان: إن من الإنجازات المهمة في عالمنا اليوم وحدة الموازين، أي على البشر أن يدققوا في قياس ووزن الأشياء في التعامل، فالكيلو غرام، الكيلومتر مثلاً، وكذلك المقاييس والأوزان الأخرى، التي يعتمد ويتفق عليها الناس، فيفعلونها في معاملاتهم، ولعل هذا من أبرز معاني إقامة الميزان واحترامه وعدم التلاعب به، بأنْ يعتبر البعض الكيلو 900 غراماً، والبعض الآخر 100 غراماً، فذلك يفقد البشرية إنجازاً هاماً في حياتهم الاجتماعية، ويفسح المجال للمزيد من الظلم والتلاعب بالحقوق، بل إنّ إقامة الوزن – أي: الهدف- لا يتحقق إلا بالميزان، واخساره تضييع لهذا الهدف. ومما تقدم يتضح لنا أنّ أهمية الميزان في أي معنى كان عظيمة في حياة المجتمع، فهو يعني القوانين المميزة للخير من الشر والفضائل من الرذائل والحق من الباطل. من هنا تمت الإشارة في القرآن الكريم بشكل عام إلى أحد الأغراض الرئيسية من بعث الأنبياء عليهم السلام ألا وهو إقرار العدالة الاجتماعية، وأنّ نزول الكتاب والميزان بمثابة المقدمة له، يقول تعالى: “لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ” (الحديد 25). لقد أُشير في هذه الآية الكريمة إلى ثلاثة أمور باعتبارها مقدمة لإقامة العدل، وهي: أولاً: البينات. ثانياً: الكتاب. ثالثاً: الميزان. ولتوضيح المراد من هذه الأمور الثلاثة لابد لنا من الإشارة إلى تفسير الآية الكريمة من خلال تفاسير مدرسة أهل البيت عليهم السلام. إن أبرز الأهداف التي تنزلت من أجلها رسالات اللَّه، وسعى إليها الأنبياء والرسل – كما تقدم سابقاً – يلخصها القرآن الكريم في العدل، أي: قيام الناس بالقسط، ولكن ليس بالمفهوم الضيق له المتمثل في ردم الهوة بين الطبقات الاجتماعية، بل التزام الحق والإنصاف من قبل الإنسان في كل أبعاد حياته وعلاقاته، في علاقته بربه وقيادته، وفي علاقته بنفسه ومجتمعه، وفي علاقته بالخليقة من حوله، وإنما يعرف مدى قيامه بالقسط من خلال الميزان المتمثل بالفطرة، والعقل، والكتاب، والقيادة…. والحركة الصادقة هي التي تسعى إلى ذلك بالكلمة الصادقة أو بالقوة والسلاح، وهي التي يجب على الناس تبنيها، ومساعدتها، والانتماء إلى صفوفها، لأنها تجاهد للحق ومن أجل سعادتهم، ولأنها المحك في نصرتهم للَّه ولمسيرة الأنبياء والمرسلين. والآية المباركة تشير إلى هذه السمات إذ تقول: “لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا” (الحديد 25). دليلاً إلى اللَّه، وتعريفاً للناس به تعالى، فهم يتحملون مسؤولية محددة هي تبليغ رسالة الخالق إلى المخلوقين، وهدايتهم إلى معرفته، والإيمان به، والعمل برسالته. قال أمير المؤمنين عليه السلام: (بَعَثَ اللَّهُ رُسُلَهُ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِهِ، وَجَعَلَهُمْ حَجَّةً لَهُ عَلَى خَلْقِهِ، لِئَلاَّ تَجِبَ الحُجَّةُ لَهُمْ بِتَرْكِ الإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ، فَدَعَاهُمْ بِلِسَانِ الصِّدْقِ إِلَى سَبِيلِ الحَقِّ ). فقد أشار أمير المؤمنين عليه السلام هنا إلى أمرين: 1 – إلى فلسفة بعثة الأنبياء. 2 – وإلى فلسفة الامتحان الإلهي. وهذه العبارة فيها نقطة مهمة وردت كراراً في الآيات القرآنية وهي عدم مؤاخذة اللَّه سبحانه العباد دون بعث الرسل وإبلاغهم أوامره ونواهيه سبحانه عن طريق الوحي، فقد جاء في قوله تعالى: “وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً * وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرا” (الاسراء 15-16). إن التاريخ يحدثنا بان العذاب لم ينزل على أمة ما إلا من بعد أن يرسل اللَّه إليهم هادياً ينذرهم، ويبلغهم رسالات ربهم، لهذا جاء قوله تعالى: “وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً” (الاسراء 15). أي: حتى نبعث إليهم رسولاً يبين لهم الحق والباطل، وكلمة الرسول هنا عامة تشمل كل من حمل رسالة التوحيد بصورة مباشرة كانت كرسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم أو غير مباشرة مثل الأئمة المعصومين عليهم السلام أو الفقهاء المجتهدين، أو المؤمنين العاملين المجاهدين. ودليل مسؤولية البشر هو جزاؤه في الدنيا على سيئات عمله، وعلينا أن نقيس الآخرة بالدنيا، ودليل رحمة اللَّه وحكمته، أنه لا يعذب أحداً حتى يبعث إليه رسولاً، انه سبحانه لم يهلك قرية إلا بعد أن أتم حجته عليهم بالرسل. “وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا” (الاسراء 16). يربط القرآن الكريم في هذا السياق بين الإسراف وهلاك القرى، ولكن بماذا أمر اللَّه المترفين؟ المأمور به هنا محذوف وهو معطوف على قوله تعالى: “حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً” (الاسراء 15) فاللَّه سبحانه وتعالى يأمر الناس بالهدى والخير والتقوى، ولكنهم حين لا يعملون بها بل يفسقون عنها، ويحاربون اللَّه ورسوله، فماذا يحدث آنئذ ؟ “فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً” (الاسراء 16). أي: تحققت عليهم المسؤولية وأصبحت للَّه الحجة البالغة عليهم، فدمرهم بسبب تركهم لها تدميراً، ولعل الآية تشير إلى حقيقة تاريخية هامة هي: أن اللَّه سبحانه وتعالى يبعث الرسل عادة على القرى التي ينتشر فيها الفساد، ويتسلط عليها المترفون، وذلك لكي يرتدعوا، ولا يستمروا في رحلة الفناء حتى النهاية، وعادة لا يتوبون فيحق عليهم العذاب. والمحصل مما تقدم نقول: إن اللَّه سبحانه وتعالى لا يعاقب شخصاً دون بعث الأنبياء ونزول الوحي سوى في المستقلات العقلية أي: أن الحجة تتم على الإنسان من خلال العقل الذي يحكم بحسن وقبح الأشياء، من قبيل إدراكه حسن العدل وقبح الظلم والجور والسرقة وقتل النفس، وعليه فهو يستحق العقاب أو الثواب حتى دون بعث الأنبياء والرسل. ثم خاض الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في مطلب آخر في إطار مواصلة لكلامه والذي يتمثل بفلسفة الامتحان الإلهي فقال عليه السلام: (أَلاَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ كَشَفَ الْخَلْقَ كَشْفَةً، لاَ أَنَّهُ جَهِلَ مَا أَخْفَوْهُ مِنْ مَصُونِ أَسْرَارِهِمْ وَمَكْنُونِ ضَمَائِرِهمْ، وَلكِنْ “لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً” (الكهف 7) فَيَكُونَ الثَّوَابُ جَزَاءً، وَالْعِقَابُ بَوَاءً). فقد كشف الإمام عليه السلام بهذه العبارة اللثام عن مسألة مهمة حيث لا معنى لمفهوم الامتحان بالنسبة للَّه بالشكل الذي تعارف على العباد، فالهدف من اختبار العباد لرفع الجهل والإبهام، لمعرفة الأشياء والتعرف على الأشخاص، وليس لمثل هذه الأمور من مفهوم لمن كان الغيب والشهادة والظاهر والباطن عنده سواء، بل هدف البلاء الإلهي هو أن يظهر الإنسان ما يبطنه لتتحقق مسألة استحقاق الثواب والعقاب. وبعبارة أوضح: لا يمكن إثابة الفرد أو معاقبته على ما يضمره من نيات حسنة أو سيئة، بل يترتب الثواب والعقاب على ما يصدر منه من أعمال وأفعال تفرزها النيّات، وهذا ما بيّنه الإمام عليه السلام في إحدى قصار كلماته في تفسيره للآية القرآنية: “وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ” (الانفال 28)، معنى أن يختبرهم بالأموال والأولاد (وَإِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلكِنْ لِتَظْهَرَ الأَفْعَالُ الَّتي بِهَا يُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ وَالعِقَابُ).

جاء في الموسوعة الحرة عن اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية (يوم المساواة والعدالة الاجتماعية) هو يوم دولي يحتفي بالحاجة إلى تعزيز العدالة الاجتماعية، والتي تشمل الجهود المبذولة لمعالجة قضايا مثل الفقر والاستبعاد والمساواة بين الجنسين والبطالة وحقوق الإنسان والحماية الاجتماعية. العديد من المنظمات، بما في ذلك الأمم المتحدة، ورابطة المكتبات الأمريكية (ALA)، ومنظمة العمل الدولية، تتخذ موقفا حول أهمية العدالة الاجتماعية للناس، وتقدم العديد من المنظمات أيضًا خططًا لتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية من خلال معالجة الفقر والاستبعاد الاجتماعي والاقتصادي والبطالة. خلفية تاريخية: اعتمدت منظمة العمل الدولية بالإجماع إعلان منظمة العمل الدولية بشأن العدالة الاجتماعية من أجل عولمة عادلة في 10 حزيران/ يونيو 2008. وهذا هو بيان المبادئ والسياسات الرئيسي الثالث الذي اعتمده مؤتمر العمل الدولي منذ صدور دستور منظمة العمل الدولية لعام 1919، ويبنى هذا البيان على إعلان فيلادلفيا لعام 1944 والإعلان المتعلق بالمبادئ والحقوق الأساسية في العمل لعام 1998. ويعرب إعلان 2008 عن رؤية معاصرة لولاية منظمة العمل الدولية في حقبة العولمة. في 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2007، أعلنت الجمعية العامة أنه اعتبارا من الدورة الثالثة والستين للجمعية العامة، تقرر إعلان الاحتفال سنويا بيوم 20 شباط/فبراير بوصفه اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، اعتبارا من الدورة الثالثة والستين للجمعية العامة. تدريس يوم العدالة الاجتماعية: تشمل الموضوعات المثالية لتعليم الطلاب حول الحاجة إلى العدالة الاجتماعية (على سبيل المثال لا الحصر) فقر الطفولة والمواطنة العالمية وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة. تتوفر سلسلة من الدروس حسب البلد من الأمم المتحدة وبرامج أخرى.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here