لستُ مسؤولا عن أفعالي : قصة قصيرة

لستُ مسؤولا عن أفعالي : قصة قصيرة

بقلم مهدي قاسم

كتبتُ هذه الكلمات ــ أعلاه ــ على كارتونة وعلقتها على صدري ثم انطلقت سائرا على الرصيف دون وجهة محددة ..

حتى عندما أوقفني أحدهم يسألني عن عنوان مكان ما ، أجبته مستغربا من أين أعرف ؟ ، إذا أنا نفسي لا أعرف إلى أين ينبغي عليّ أذهب أو اتوجه عن سابق فكرة أو دراية .

في أثناء ذلك فكرتُ كم أصبح العالم ضيقا و صاخبا ، و رماديا خانقا بحيث لم أعد أجد فيه مكاني الرحب الحميم الذي أتمناه وأبحث عنه ..

ولكن في داخلي كانت تعتمل فكرة قهرية لا تقاوم في أن أكون مشاغبا قليلا ، و أن أقوم بإزعاج العالم لفترة قصيرة ..

كمن تنتابه رغبة جامحة في أن يرمي نهرا راكدا بحجر عله يحرّك أمواجه الخامدة وكائناته المتحجرة..

وبدا العالم كله هامدا ، راكدا ، رغم ضجيجه وصخبه كغراب متهستر وزاعق طوال الوقت ..

لمحتُ مجموعة رجال جالسين بظهور مستندة على الحائط ، وهم يتبادلون أطراف الحديث بلا مبالاة وعدم اكتراث باعتيادية عجيبة ، كأنهم أمضوا حياتهم كلها هكذا هناك ، دون قيام بأية أمور مفيدة ، فاقتربت منهم تماما واندفعت نحوهم فجأة بحركة هجومية وعدائية مفتعلة ،وإذا بهم يتقافزون من مكانهم خوفا مطلقين سيقانهم للريح ..

ثم واصلتُ سيري مدندنا بأغنية محببة إلى قلبي :

ــ أنا الذي ضيّعتُ عمري في زحمة أوهامي ! .

وبينما أنا كذلك فإذا بي أرى رجلا معمما بكرش مندلق وبوجه لحيم ويد مكتنزة بأصابع مرّصعة بالذهب والياقوت ،كان يأتي متقدما بمواجهتي ، فشعرتُ بنفور قوي مصحوب بشعور مفاجئ أقرب إلى استفزاز من حضوره الكريه ، فما كان مني إلا أن رفعتُ يدي وأطحتُ بعمامته بأصبعي وأنا أصح :

ــ تك تاك !.. يا من ساهمتم في تخريبي حياتي و بلدي ..

ثم وجدتُ نفسي أنفجر ضاحكا وأنا أمضي بسرعة ، تاركا إياه مشدوها ، مصدوما من هول المباغتة ..

كان بعض الناس ينظر إلىّ بين ضاحك ومستغرب وعند ذاك كنتُ أشيَر إلى اللافتة التي على صدري :

ـــ أنا لستُ مسؤولا عن أفعالي ..

ومما فاق الوضع تصعيدا لمحتُ رجالا يتراكضون حول سيارة سوداء مظللة تتقدم ببطء ، محاطة بعشرات سيارة مشابهة تحرسها بكل اهتمام وعناية ، ثم بعد قليل توقفت السيارة ونزل منها رجل أخذ يسير ببطء بسحنة متعالية ومتعجرفة ، منفوشا الهيئة كطاووس ، ففكرت بأنه حتما “مسؤول كبير ” وما أن اقترب حتى باغتته ب” عفطة ” عميقة وطويلة ، اتبعتُها بهتاف عال :

ــ على ماذا رافع أنفك يا أفسد الفاسدين ويا عميد اللصوص النهمين ؟!..

آنذاك داهمتني مجموعة من حراس ” المسؤول الكبير ” و جرجروني بعيدا عن موكبه ” الملكي ” و عبثا كنتُ أشيُر إلى لافتي المعلقة على صدري بأنني :

ــ لستُ مسؤولا عن أفعالي !..

حركوا رؤوسهم رفضا لمزاعمي نفيا بعدم التصديق ومؤكدين في الوقت نفسه :

ــ في هذه المرة نعم.. أنت مسؤول عن أفعالك تماما .. إذ لوكفرتَ لصدّقناك أما و أنت أتهمتَ مسؤولنا الكبير بالفساد واللصوصية فذلك ليس دليلا على الجنون إنما على التحقير والتسقيط ، إذن فلابد من تأديبك الشديد بغية إرجاعك إلى صوابك القويم والصراط المستقيم ..

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here